دراسة حالة: “المضاعف المالي المكبوت” وتكلفة الفرصة الضائعة في الاقتصاد العراقي
يعاني اقتصاد العراق من بيئة نقدية "مكبوتة" تُعطل أثر الإنفاق الحكومي، مما كبد البلاد ناتجاً مفقوداً بـ 602 تريليون دينار عام 2023، ليؤكد أن الإصلاح المصرفي هو شرط النمو...
الملخص
يمثل الاقتصاد العراقي حقلاً دراسياً نموذجياً لفهم تناقضات الدول الريعية الشديدة الاعتماد على النفط. فرغم عمليات الحقن المالي الهائلة التي تضخها الدولة سنوياً عبر الموازنات العامة، يعجز الاقتصاد عن توليد نمو مستدام ومتسارع خارج القطاع النفطي. تُشخص هذه الدراسة المعضلة ليس في “حجم الإنفاق المالي” (الذي يُعد كبيراً وفعالاً في توليد الدخل الأولي)، بل في “البيئة النقدية المكبوتة” التي تُعطل انتقال هذا الأثر وتضخيمه. من خلال تحليل بيانات الفترة (2008-2023)، تكشف الدراسة أن تعطل النظام المصرفي والاعتماد على الكاش وتسرب الاستيراد، كلف العراق ناتجاً محلياً مفقوداً يقدر بـ 602 تريليون دينار عراقي في عام 2023 وحده.
Table Of Content
- الملخص
- 1. مقدمة دراسة الحالة: هيمنة النفط ووهم النبض المالي
- 2. التشريح الهيكلي والنمذجة: كيف يتسرب الاقتصاد؟
- 3. الأدلة التجريبية (القياس الاقتصادي 2008-2023)
- 4. عنق الزجاجة: البيئة النقدية المكبوتة (The Suppressed Environment)
- أ. السقف النظري مقابل الكارثة الواقعية
- ب. أمثلة وتحليل لأسباب الكبت (لماذا يموت النقد؟)
- 5. تكلفة اللا-إصلاح: محاكاة الناتج المحلي المفقود لعام 2023
- 6. الاستنتاجات والآفاق الاستراتيجية (ما الحل؟)
1. مقدمة دراسة الحالة: هيمنة النفط ووهم النبض المالي
يصاغ الأداء الاقتصادي الكلي في العراق بواسطة العائدات النفطية التي تلعب دور “المحرك الأوحد”؛ فهي التي تحدد القدرة المالية للدولة، وتوفر المصدر شبه الوحيد للسيولة المحلية، وتمول الجزء الأكبر من الطلب الكلي عبر الرواتب والإنفاق العام.
غالباً ما ينظر صانعو السياسة إلى الموازنة العامة كعصا سحرية لحل الأزمات الاقتصادية، معتقدين أن زيادة الإنفاق ستؤدي تلقائياً إلى زيادة مضاعفة في الناتج المحلي الإجمالي (GDP). لكن، في الاقتصادات الريعية كالعراق، هذا الافتراض يواجه عقبات هيكلية قاسية. لقد أثبتت الدراسات الكلاسيكية حول “لعنة الموارد” و”المرض الهولندي” أن التدفقات النفطية الضخمة تخلق تشوهات هيكلية تتمثل في الاعتماد المفرط على الاستيراد وضعف القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة).
السؤال المركزي للدراسة: لماذا لا تترجم تريليونات الدنانير التي تنفقها الحكومة إلى نهضة اقتصادية موازية؟ ولماذا يموت “المضاعف الاقتصادي” في منتصف الطريق؟.
2. التشريح الهيكلي والنمذجة: كيف يتسرب الاقتصاد؟
لفهم الآلية، صممت الدراسة نموذجاً اقتصادياً كلياً شبه هيكلي (Semi-structural Model) يتناسب مع طبيعة العراق، بدلاً من النماذج الغربية المعقدة التي تفترض وجود أسواق مالية متطورة.
يعتمد النموذج على متطابقة الدخل القومي الأساسية $(Y = C + I + G + X – M)$، لكنه يدخل عليها “التشوهات العراقية”:
- الاستهلاك والاستثمار تبعيان: في العراق، القطاع الخاص ضعيف ويعتمد كلياً على الإنفاق الحكومي. إذا أنفقت الحكومة، استهلك الناس واستثمروا، وإذا توقفت، توقفت الحياة.
- عامل التسرب الاستيرادي ($\theta$): الاقتصاد العراقي لا ينتج ما يستهلكه. لذا، فإن جزءاً كبيراً من الإنفاق الحكومي يتحول فوراً إلى طلب على السلع المستوردة. من خلال البيانات، وجدنا أن الواردات تمثل في المتوسط حوالي 54% من الإيرادات النفطية (أي أن $\theta = 0.54$).
التحليل بالأرقام:
باستخدام هذه المتغيرات، قام النموذج بمعايرة “المضاعف المالي النفطي” ووجده يقف عند 2.58.
مثال توضيحي: هذا يعني نظرياً أن كل 100 دولار من مبيعات النفط، تُترجم في النهاية إلى حوالي 258 دولاراً في الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بعد أن تأخذ دورتها من الحكومة إلى الموظف، ثم إلى التاجر، قبل أن تخرج 54 دولاراً منها مجدداً إلى الخارج على شكل استيرادات. كلما ارتفع تسرب الاستيراد (شراء سلع أجنبية بدلاً من محلية)، قلّ هذا المضاعف وضعف الاقتصاد.
3. الأدلة التجريبية (القياس الاقتصادي 2008-2023)
للخروج من الحيز النظري، اختبرت الدراسة هذا النموذج على أرض الواقع باستخدام بيانات الاقتصاد العراقي لـ 15 عاماً.
أجرينا انحداراً إحصائياً (OLS regression) لمعرفة الأثر المباشر لتغير الإنفاق الحكومي $(\Delta G)$ على تغير الناتج المحلي الاسمي $(\Delta Y)$.
النتائج:
- أظهرت البيانات أن المضاعف المالي قصير الأجل يبلغ حوالي 2.6 (متوافق بشكل مذهل مع النموذج النظري 2.58).
- الاستنتاج الأول: السياسة المالية في العراق “ليست ضعيفة” بحد ذاتها؛ فالنبض المالي موجود، والإنفاق الحكومي ينجح فعلياً في توليد الدخل في المدى القصير.لكن، بالمقاييس الاقتصادية لدولة نامية تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، يُعتبر المضاعف (2.6) رقماً متواضعاً ومحبطاً جداً. لماذا لم يكن 5 أو 7؟.
4. عنق الزجاجة: البيئة النقدية المكبوتة (The Suppressed Environment)
هنا نصل إلى جوهر المشكلة والتحليل الاقتصادي العميق. إن الرقم (2.6) الذي استخرجناه ليس “مضاعفاً مالياً نقياً”، بل هو “مضاعف كلي فعال” (Effective Macro Multiplier)، وهو ناتج ضرب عاملين:
المضاعف الفعال = الأثر المالي المباشر × عامل الانتقال المالي/النقدي.
في الاقتصادات السليمة، تقوم الحكومة بالإنفاق، وتأتي البنوك لتأخذ هذه الأموال وتعيد إقراضها وتدويرها في الاقتصاد عبر ما يسمى “المضاعف النقدي”.
في العراق، هذه الدورة “مكبوتة ومخنوقة” بشكل كارثي للأسباب التالية:
أ. السقف النظري مقابل الكارثة الواقعية
يبلغ الاحتياطي الإلزامي (Reserve Requirement) الذي يفرضه البنك المركزي العراقي حوالي 18.5%. رياضياً، يعني هذا أن السقف الأعلى للمضاعف النقدي (قدرة البنوك على توليد عرض النقد M2 من القاعدة النقدية M0) يجب أن يكون: $\frac{1}{0.185} \approx 5.4$.
أي أن كل 1000 دينار تطبعها الدولة يجب أن تتحول عبر القروض والودائع المصرفية إلى 5400 دينار في السوق.
ولكن، عندما قمنا بقياس المضاعف النقدي الفعلي في العراق $\frac{M2}{MB}$، وجدناه كارثياً: تراوح في المتوسط عند 1.25، وانخفض في عام 2023 ليصل إلى 1.10 فقط!.
الاقتصاد العراقي يعمل بحوالي 20% فقط من طاقته النظرية لخلق النقد والائتمان.
ب. أمثلة وتحليل لأسباب الكبت (لماذا يموت النقد؟)
لماذا لا تتضاعف الأموال في العراق؟
- تفضيل الكاش (Cash Preference): المواطن العراقي لا يثق بالنظام المصرفي. عندما تدفع الحكومة راتبه (حقن مالي)، يقوم بسحبه فوراً وتخزينه في المنزل. الأموال المكتنزة تحت الوسائد هي أموال ميتة اقتصادياً لا يمكن للبنك استخدامها لإقراض مستثمر يبني مصنعاً.
- الاحتياطيات الفائضة (Excess Reserves): حتى الأموال القليلة التي تبقى في المصارف، تفضل المصارف إبقاءها كاحتياطيات فائضة لتجنب المخاطر بدلاً من إقراضها للقطاع الخاص.
- نظام سعر الصرف الثابت وتسرب العملة: التاجر الذي يحصل على الدنانير من المواطن، يقوم فوراً بأخذها إلى نافذة بيع العملة في البنك المركزي لشراء الدولار واستيراد بضائع من الخارج. هنا تنتهي الدورة الاقتصادية داخل العراق تماماً.
5. تكلفة اللا-إصلاح: محاكاة الناتج المحلي المفقود لعام 2023
لإدراك حجم الكارثة، استخدمنا النموذج لإجراء محاكاة بديلة (Counterfactual Simulation) لعام 2023 لمعرفة حجم “تكلفة الفرصة البديلة”.
- الوضع الفعلي (2023): بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي حوالي 353.78 تريليون دينار، في ظل مضاعف نقدي منهار يبلغ 1.25.
- سيناريو الإصلاح (الهدف): لن نفترض أننا سنصل إلى المضاعف النظري المثالي (5.4) لأن ذلك صعب في الدول النامية. سنفترض إنجاز إصلاحات مصرفية معتدلة (تقليل الكاش خارج المصارف، تحفيز الودائع) للوصول إلى مضاعف نقدي يبلغ 3.4 فقط.
- النتيجة الرياضية: بحساب التناسب البسيط $\frac{3.4}{1.25} \times 353.78$، سيقفز الناتج المحلي الإجمالي بقوة النظام المصرفي وحده (دون بيع برميل نفط إضافي) إلى 956 تريليون دينار عراقي.
الخلاصة المدوية:
الفجوة بين الناتج الكامن (956) والناتج الفعلي (353.78) تبلغ 602 تريليون دينار عراقي. هذا هو حجم “الناتج المفقود” أو الثروة التي أُهدرت في عام واحد فقط بسبب تخلف النظام المصرفي والاعتماد على الكاش الورقي.
علاوة على ذلك، يثبت التحليل أنه لو كانت قنوات الانتقال المالي تعمل بشكل طبيعي، فإن “المضاعف المالي النقي” كان سيصل إلى 7.8 (بدلاً من 2.6). هذا يعني أن كل حقن حكومي يخسر (5.2) ضعفاً من قوته التنموية بسبب هذا الخلل.

6. الاستنتاجات والآفاق الاستراتيجية (ما الحل؟)
تقدم هذه الدراسة تحذيراً مبنياً على البيانات لصناع القرار الاقتصادي في العراق:
- السياسة المالية مقيدة رياضياً: لا يهم حجم الموازنة الانفجارية أو كمية الأموال التي تخصصها الحكومة للإنفاق. طالما أن النظام المصرفي معطل والمواطن يفضل الكاش، ستبقى هذه الأموال عاجزة عن توليد تنمية حقيقية وستتسرب للخارج.
- التحول من “الإنفاق” إلى “الوساطة”: يجب أن تنصب الجهود الاستراتيجية العليا للدولة والبنك المركزي على هندسة الثقة بالنظام المصرفي. إنهاء سيطرة “الكاش”، فرض الرقمنة المالية، وتسهيل الإقراض الإنتاجي.
- تقليل تسرب الاستيراد: يجب إعادة إحياء القطاعات الحقيقية (الصناعة والزراعة) لامتصاص الطلب الذي تولده الرواتب الحكومية داخل الدورة الاقتصادية المحلية، بدلاً من تحوله فوراً إلى طلب على الدولار والسلع الأجنبية.
الخلاصة
إن الأزمة الحقيقية للاقتصاد العراقي ليست في قلة الموارد أو ضعف النبض المالي، بل في شرايينه النقدية المقطوعة. إعادة ربط هذه الشرايين عبر نظام مصرفي متطور هو الخيار الأوحد لمنع تبخر مئات التريليونات من الدنانير في ثقب الاستيراد والاكتناز الأسود.

د. عامر العضاض
اقتصادي عراقي امريكي، عمل مستشارا في قطر بوزارة الاعمال والتجارة القطرية، وشارك في فريق عمل "لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية للشراكات بين القطاعين العام والخاص في أوروبا."، وأجرى تحليلاً كمياً لصناديق التحوط الشهيرة في "وول ستريت"، وعمل خبيرا في قطر لتنمية وتطوير الاعمال، وعمل أيضا مشرفا في قطر على برنامج شراكة القطاع الحكومي والخاص، وعضوا في برنامج قطر الوطني للأمن الغذائي. وحاليا هو مستشار رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والرئيس التنفيذي لخلية إدارة الإصلاح الحكومية في العراق.



No Comment! Be the first one.