الاقتصاد العراقي في مواجهة عاصفة التنوع الصيني: قراءة في تراجع الحصة السوقية لصالح منافسي حوض الأطلسي
بينما ينمو الطلب الصيني، تتراجع الحصة السوقية للنفط العراقي لصالح منافسين هيكليين من خارج الإقليم كالبرازيل وأنغولا، مما يضع المورد الأول للاقتصاد العراقي أمام تحدي "التنويع الصيني" الذي لن تنهيه...
أولاً: حين يُخطئ التفاؤل في قراءة السوق
حين تفتح مضيق هرمز من جديد وتعود الناقلات إلى مسالكها المعتادة، سيسارع كثيرون إلى الاعتقاد بأن المشهد النفطي سيعود إلى سابق عهده. غير أن قراءة متأنية في بيانات الجمارك الصينية للربع الأول من 2026 تكشف عن حقيقة أكثر إزعاجاً: التحول في سوق النفط الصيني أعمق من أن تعالجه إعادة فتح مضيق.
Table Of Content
لقد خسر العراق مرتبته الثالثة بين أكبر موردي النفط للصين لصالح البرازيل في الربع الأول من 2026. وبينما ارتفع الحجم الإجمالي للسوق الصيني بنسبة 10.2%، تراجعت حصة العراق السوقية من 16.2% إلى 10.9%. هذه المعادلة (نمو السوق مع تراجع الحصة) هي العلامة الأخطر في المشهد النفطي العراقي اليوم.
الرقم الذي يجب أن يُقلق بغداد: في مارس 2026 وحده، صدرت البرازيل للصين 35.9 مليون برميل مقابل 28.2 مليون برميل عراقية، بفارق 7.7 مليون برميل لصالح البرازيل.
ثانياً: البرازيل – منافس يكبر بشكل ممنهج
ما يجري في البرازيل ليس طفرة عابرة، بل تحوّل هيكلي متسارع؛ حيث بلغ الإنتاج البرازيلي في فبراير 2026 نحو 4.1 مليون برميل يومياً، بزيادة 16.4% عن العام الماضي.
مقارنة أداء البرازيل (Q1 2025 مقابل Q1 2026):
| المؤشر | Q1 2025 | Q1 2026 | التغيير |
| صادرات البرازيل للصين | 407 مليون برميل | 2,457 مليون برميل | +503% |
| ترتيب البرازيل بين موردي الصين | التاسع | الثالث | +6 مراكز |
| الإنتاج اليومي البرازيلي | 3.5 م ب ي | 4.1 م ب ي | +16.4% |
| رحلات VLCC (شهرياً) | 5 رحلات | 14 رحلة | +180% |
| حصة الصين من صادرات البرازيل | 38% | 45% | +7 نقاط |
(المصدر: بيانات الجمارك الصينية )
محركات النمو البرازيلي:
- حقول ما قبل الملح: تعمل بكفاءة قياسية وتستحوذ على 62% من خطة استثمار بتروبراس (69.2 مليار دولار) للفترة 2026-2030.
- المرونة السعرية: تحول المصافي الصينية طلباتها فوراً نحو الخام البرازيلي الأرخص عند رفع السعودية لأسعارها.
- خارج أوبك: البرازيل غير مقيدة بحصص الإنتاج، مما يتيح لها حرية التوسع.
- جودة الخام: خام خفيف منخفض الكبريت ينتج مشتقات عالية القيمة مقارنة بالخام العراقي الثقيل.
ثالثاً: أنغولا – القادم من الجنوب بقرار استراتيجي
استحوذت الصين على أكثر من 60% من صادرات أنغولا في الربع الأخير من 2025. وتستعد أنغولا لرفع إنتاجها بنسبة 6.5% إضافية في 2026 ليبلغ 1.14 مليون برميل يومياً.
المزايا التنافسية لأنغولا:
- الارتباط بالإنتاج: النفط يمثل 90% من صادراتها، مما يلزمها بالاستمرار في الضخ بغض النظر عن الأسعار.
- الجودة: خام خفيف مفضل لدى المصافي المتطورة في شرق الصين.
- حرية الإنتاج: خروجها من أوبك منذ يناير 2024 منحها حرية كاملة في التسعير والإنتاج.
- الشراكة مع بكين: تعميق الشراكة في الاستكشاف والتكرير يرسخها كمورد استراتيجي مفضل.
رابعاً: جوهر التهديد – تنويع صيني ممنهج
ما يحدث هو استراتيجية صينية واضحة لتقليص الاعتماد على منطقة الخليج. لقد كشفت أزمة هرمز عن هشاشة هذا الاعتماد، مما دفع بكين لتعزيز روابطها مع موردي حوض الأطلسي بشكل متسارع.
مقارنة تنافسية:
- المخاطر الجيوسياسية: منعدمة تقريباً في البرازيل وأنغولا مقابل مخاطر مرتفعة في العراق.
- الارتباط بأوبك: العراق مقيد بالحصص، بينما المنافسون يتمتعون بحرية كاملة.
- شروط التسليم: العراق يبيع بشروط FOB فقط، بينما يتمتع المنافسون بمرونة تفاوضية (CIF).
خامساً: ماذا يجب على العراق فعله؟ (خارطة طريق)
لمواجهة هذا التهديد، يُقترح العمل على سبع ركائز استراتيجية:
- امتلاك أسطول ناقلات وطني: التحول من بيع النفط بشروط (FOB) إلى (CIF) لاستعادة القيمة المضافة من الشحن والتأمين.
- تحسين مزيج النفط: تطوير حقول الخام الخفيف (مثل المنصورية وعكاز) لتقليص فجوة السعر؛ حيث أن رفع سعر البرميل بمقدار 5$ فقط يضيف 1.65 مليار دولار سنوياً من الصين وحدها.
- إعادة التفاوض على الاتفاقيات: مراجعة اتفاقية “النفط مقابل الإعمار” لتتضمن بنود تسعير مرتبطة بمتوسط برنت وشروط مراجعة دورية.
- تنويع المشترين الصينيين: التوجه نحو المصافي المستقلة والمتداولين الخاصين لتقليص هيمنة الشركات الحكومية الصينية.
- تطوير البنية التحتية: استكمال ميناء الفاو وخطوط الأنابيب البديلة (خط العقبة وجيهان) لرفع علاوة الأمان الجيوسياسي.
- شراكات رأسية: الدخول في شراكات تكريرية داخل الصين للتحكم في هامش التكرير وليس فقط سعر الخام.
- التكامل مع الحزام والطريق: تحويل موقع العراق إلى محور لوجستي (طريق التنمية) للتفاوض من موقع الشريك الاستراتيجي.
الخلاصة: هرمز ليست المشكلة الوحيدة
النفط البرازيلي والأنغولي ليسا منافسين ظرفيين، بل هما لاعبان هيكليان راسخان في السوق الصيني. التهديد الحقيقي للعراق ليس في إغلاق مضيق هرمز، بل في الاستمرار في بيع نفطه بنفس أدوات عام 2019. العراق اليوم أمام مفترق طرق: إما تطوير أدواته التنافسية، أو القبول بحصة سوقية آيلة للتراجع.
المصادر:
بيانات الجمارك الصينية (2025-2026)، وكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، وكالة الطاقة الدولية (IEA)، S&P Global.

منار العبيدي
منار العبيدي: مهندس ومحلل اقتصادي، يشغل منصب المدير التنفيذي لمؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية. يتميز أسلوبه بالدقة الهندسية في تشخيص الخلل الهيكلي بالاقتصاد العراقي بعيداً عن التنظير، حيث يرتكز في رؤيته على لغة الأرقام والبيانات الدقيقة. يركز بشكل مكثف على تحليل حركة التجارة الخارجية والقطاع الخاص وتنمية الإيرادات غير النفطية، مما جعله مرجعاً موثوقاً في تبسيط القضايا المالية المعقدة ورفع الوعي الاستثماري والمجتمعي بآليات السوق.



No Comment! Be the first one.