الاقتصاد العراقي في مأزق الريعية: تشريح الأزمات الهيكلية وحتمية التحول الاستراتيجي
يواجه الاقتصاد العراقي ارتهاناً خطيراً للريعية النفطية يُنذر بأزمة ثلاثية وشيكة (سيولة، طاقة، وبطالة)، ولن تُجدي مساعي التنويع الاقتصادي نفعاً دون إصلاح سياسي جذري ينهي المحاصصة ويخلق إرادة وطنية...
تاريخياً، بدأت الإيرادات النفطية العراقية بالارتفاع المستمر منذ عقد الخمسينات، وذلك بعد توقيع اتفاقية مناصفة الأرباح. وكان هذا التطور حافزاً رئيسياً للحكومة العراقية آنذاك لتأسيس “مجلس الإعمار” عام 1953، والذي شكل مبادرة استراتيجية حول كيفية توظيف عائدات النفط في تطوير البلاد، حيث كان يُخصص 70% من إيرادات النفط للاستثمار. ولهذا شهدت حقبة الخمسينات استثمارات كبيرة وعملاقة، استمرت حتى تلكأ عمل المجلس عام 1961.
Table Of Content
- فخ جولات التراخيص والهيمنة الأجنبية
- معضلة (أوبك بلاس) وصراع الحصص الإنتاجية
- جيوسياسية التصدير والبحث عن مسارات بديلة
- مشروع “طريق التنمية”: الفرص والمخاطر
- الخلل الهيكلي: اقتصاد يعيش في “أحضان الدولة”
- ثلاثية الأزمات القادمة وتداعياتها
- الإطار القانوني: قانون النفط والغاز وشركة النفط الوطنية
- الخاتمة: الإرادة السياسية كمفتاح وحيد للتنمية
ولكن، مع تطور إنتاج النفط وازدياد صادراته بمرور الوقت، تعمقت ظاهرة ريعية الدولة بشكل خطير، ليصبح النفط اليوم هو المشكل لجوهر الاقتصاد العراقي، مهيمناً على الإنتاج، والناتج المحلي الإجمالي، والصادرات، والإيرادات. لقد أفرز هذا الواقع هيكلاً اقتصادياً مختلاً يعتمد كلياً على النفط مع إهمال واضح للقطاعات الأخرى، وخاصة الزراعية والصناعية. وفي ظل هذه الدولة الريعية، أصبحت إنتاجية العمل منخفضة جداً بسبب سهولة الحصول على المال من الدولة التي تعتبر “رب العمل” والمالك الأوحد للثروة. وما عادت الضرائب هي الوسيلة الأساسية لتمويل الموازنة العامة، بل الإيرادات النفطية، ليتحول النفط بهذا المعنى إلى نقمة وليس نعمة.
فخ جولات التراخيص والهيمنة الأجنبية
من المعلوم أن البنية التحتية للصناعة النفطية الحالية أُنشئت في ظل الإدارة الوطنية للنفط، بعد أعمال التأميم، وهي ثروة ينبغي أن تبقى وطنية. إلا أن نقطة الانعطاف الكبيرة والمتمثلة في الحروب، ثم الحصار المدمر، جعلت هذا القطاع يمتلك تقنيات متأخرة جداً، مما سهل التوجه نحو الاستثمارات الأجنبية.
ومع ذلك، إذا قيمنا هذا الاستثمار من خلال “جولات التراخيص”، سنجد أنه لم يؤدِ إلى تطور حقيقي يتناسب مع حجم الإنفاق.
- تم إنفاق 120 مليار دولار على الشركات الأجنبية، ومع ذلك لم تزدد معدلات الإنتاج بأكثر من مليون برميل يومياً.
- كان من المفترض أن يصل إنتاج الذروة إلى حوالي 11 مليون برميل يومياً، وهو ما لم يتحقق.
- ارتكبت الحكومة خطأً استراتيجياً بإعطاء حقول منتجة للنفط (مثل الرميلة، الزبير، وغرب القرنة) بدلاً من التركيز على الرقع الاستكشافية.
- على سبيل المثال، حقل الرميلة الذي كان ينتج 1.066 مليون برميل يومياً، زاد إنتاجه بعد 16 عاماً بمقدار 350 ألف برميل فقط.
- انسحبت العديد من الشركات الغربية الكبرى (مثل إكسون موبيل، وشل، وأوكسيدنتال)، لتحل محلها الشركات الصينية التي تسيطر اليوم على 17 حقلاً، وثلث الاحتياطي النفطي العراقي.
معضلة (أوبك بلاس) وصراع الحصص الإنتاجية
تتجلى الإشكالية الكبرى اليوم في التزام العراق بمحددات (أوبك). ففي حين أن طاقة العراق الإنتاجية (خط الأساس) تبلغ 4.650 مليون برميل يومياً، فإن حصته المحددة في أوبك هي 4 ملايين برميل فقط.
- تخطط وزارة النفط منذ عام 2022 للوصول إلى إنتاج 7 ملايين برميل، خصوصاً مع بدء إنتاج الجولتين الخامسة والسادسة قريباً.
- هذا التناقض سيضعنا أمام مشكلة دفع غرامات للشركات الأجنبية عن تقليص الإنتاج، كما حدث في عام 2020 عندما خفض العراق إنتاجه بمقدار مليون برميل.
- يُظهر المفاوض العراقي ضعفاً واضحاً، حيث وافق على تخفيضات طوعية إضافية (220 ألف برميل يومياً) رغم أن خط إنتاجه الأساسي أعلى من حصته، في حين هددت دول كالإمارات بالانسحاب وحصلت على زيادة قدرها 300 ألف برميل.
نحن أمام خيارات استراتيجية حاسمة على المدى المتوسط؛ فبحلول عام 2028، يجب ألا تقل حصة العراق عن 6 ملايين برميل لتلبية احتياجاته. يجب التفكير جدياً بخيار الانسحاب المبرمج من (أوبك)، كما فعلت قطر، أو المطالبة العنيفة بتعديل الحصص وفقاً لمعايير الاحتياطي وعدد السكان. فمنظمة (أوبك) اليوم تحولت إلى أداة قوة تفاوضية للسعودية (التي تنتج 11 مليون برميل)، وليست مصدر قوة للعراق. والعراق يمتلك احتياطياً يبلغ 145 مليار برميل، مع احتمالية وجود 100 مليار برميل إضافية في المنطقة الغربية، مما يؤهله للوصول إلى إنتاج 8 ملايين برميل يومياً.
جيوسياسية التصدير والبحث عن مسارات بديلة
يعاني التصدير العراقي من مشكلة هيكلية خطيرة، إذ تستحوذ الصين والهند وحدهما على ثلثي صادرات النفط العراقي. هذا الارتهان للأسواق الآسيوية يحمل مخاطر جسيمة:
- الهند: انخفضت استيراداتها من العراق (من 1.1 مليون إلى 800 ألف برميل) لصالح النفط الروسي الذي يقدم خصومات سعرية كبيرة للولوج إلى السوق الهندية.
- الصين: حربها التجارية مع أمريكا قد تقلص طلبها من مليون برميل إلى 600 أو 700 ألف برميل. كما أن الصين تتخوف من إغلاق “مضيق ملقا” الذي يمر عبره 80% من نفطها، وتسعى لبناء مخزون استراتيجي ضخم للتحوط.
لذا، من الضروري امتلاك تفكير استراتيجي لتنويع طرق التصدير وتجنب الممرات البحرية المهددة (كمضيق هرمز). أرى أن “الخط الأردني” نحو حديثة ومنها للتفرع إلى جيهان (تركيا)، وبانياس (سوريا)، والعقبة (الأردن) يمثل شريان حياة استراتيجي. هذا الخط سيفتح لنا أسواق أوروبا (ليحل خام البصرة محل الروسي) وأسواق إفريقيا، رغم المعارضة المتوقعة من قوى إقليمية متضررة كإيران.
مشروع “طريق التنمية”: الفرص والمخاطر
يرتبط التنويع الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً بـ “طريق التنمية” البالغة كلفته 17 مليار دولار، والممتد من ميناء الفاو لمسافة 1150 كيلومتراً داخل العراق ليربط شرق آسيا بأوروبا عبر تركيا.
- الإيرادات المالية المباشرة المتوقعة من الترانزيت قليلة (بحدود 4 تريليون دينار سنوياً).
- التعويل الحقيقي يكمن في الإيرادات غير المباشرة: إنشاء مدن اقتصادية ومدن للطاقة، وتفعيل الخدمات اللوجستية والسياحية والإسكان.
- لضمان الجدوى الاقتصادية وجذب الاهتمام التركي والأوروبي، يجب أن يصاحب هذا الطريق ممر للطاقة (أنابيب للنفط والغاز) ليكون بديلاً حقيقياً وممراً استراتيجياً.
ومع ذلك، يبرز تحدٍ كبير؛ فالعراق بيئة غير جاذبة للاستثمار، وتعاني من المحاصصة والسلاح المنفلت، ما يصعب توفير الأمن لخط استراتيجي بهذا الحجم. وبسبب الوضع المالي الصعب وضعف التمويل، هناك خشية حقيقية من إهمال هذا المشروع الحيوي من قبل الحكومات المتعاقبة، ليتحول ميناء الفاو الكبير إلى مجرد ميناء عادي كميناء أم قصر.
الخلل الهيكلي: اقتصاد يعيش في “أحضان الدولة”
لا تتجاوز مساهمة الزراعة والصناعة في الناتج المحلي الإجمالي 1-2%، مقابل 40-60% للنفط، بينما يذهب المتبقي لقطاع الخدمات البسيط (باعة التجزئة)، وهو بحد ذاته مؤشر تخلف. النفط يشكل 99% من الصادرات (94% خام و5% نفط أسود)، ويمول كل شيء، حتى الرسوم الجمركية وضرائب الدخل.
هذا الخلل أنتج دولة هي المشغل الأكبر والوحيد تقريباً، حيث تدفع الدولة رواتب لحوالي 10 ملايين شخص: 7.350 مليون موظف ومتقاعد، و2.3 مليون مشمول بالرعاية الاجتماعية. الناس أصبحت تعيش في “أحضان الدولة” وتستمد قوتها منها، مما يجعل الإنفاق الحكومي هو المحرك الوحيد للطلب الكلي، وهو أمر في غاية الخطورة.
يترافق ذلك مع تخلف كارثي في قطاع الطاقة الداخلي:
- صناعة التكرير: ننتج مليون برميل يومياً، نصفها “نفط أسود”، لعدم امتلاكنا مصافي قادرة على إعادة تكريره لإنتاج البنزين (كما تفعل الإمارات بنفطنا). ونتيجة لذلك، استورد العراق 2.4 مليون طن من البنزين عام 2024 رغم تشغيل مصفى كربلاء الذي يعاني من مشاكل فنية.
- قطاع الغاز: العراق يحرق 45% من غازه، ويستثمر 55% فقط (وليس 70% كما تدعي الأرقام الحكومية). توقفت حقول الغاز المهمة (كحقل السيبة والمنصورية) بسبب روتين التعاقد الصعب. مما اضطرنا للاستيراد من إيران، والبحث عن استيراد مكلف من تركمانستان أو عبر منصات عائمة في خور الزبير.
- الزراعة والصناعة: تراجعت الزراعة بسبب سياسة الإغراق الخارجي (كمثال محصول الطماطم الإيراني) وغياب الدعم والخدمات في الريف. وانهارت الصناعة الوطنية أمام السلع الصينية الرخيصة لعدم وجود حماية أو تفعيل للرسوم الجمركية، مما حول الصناعيين وأصحاب المهن (كالخياطين في سوق حنا الشيخ بالبصرة) إلى باعة تجزئة وتجار.
ثلاثية الأزمات القادمة وتداعياتها
نتيجة لكل ما سبق، ومع عدم استقرار أسعار النفط (التي قد تستقر حول 64-65 دولاراً في حقبة ترامب)، نحن مقبلون على ثلاث أزمات خانقة تهدد البنية الاجتماعية والاقتصادية:
- أزمة السيولة وتآكل الاحتياطي: توسعت الحكومة في الإنفاق وعينت مليون موظف جديد، لترتفع كتلة الرواتب إلى 90 تريليون دينار سنوياً. يبلغ الإنفاق الشهري حوالي 13 تريليون دينار، بينما الواردات لا تتجاوز 9-10 تريليونات. لتغطية هذا العجز، لجأت الدولة لخصم الحوالات (وصل إلى 42 تريليون دينار) وزيادة الاقتراض الداخلي. فشلت سندات التنمية بسبب ضعف ثقة الجمهور، وتوجهت الدولة لسحب سيولة المصارف. هذا التجفيف للسيولة واستنزاف الاحتياطي لتمويل النفقات الحكومية سيؤدي حتماً للجوء إلى خيار مرير يتمثل في خفض قيمة الدينار مجدداً (ربما إلى 170) لسد المتطلبات الحكومية.
- أزمة الطاقة والكهرباء: ارتباطاً بأزمة أسعار النفط وعجز الموازنة، يواجه العراق أزمة غاز إضافية بسبب العقوبات الأمريكية على تحويلات الدولار لإيران. قد نضطر لتحويل محطات الكهرباء من الغاز إلى وقود “الكاز”، ما يعني زيادة الاستيراد والتكاليف. هذه الأزمة ستزيد من تكلفة الإنتاج الداخلي وتقضي على ما تبقى من قدرة تنافسية للصناعة المحلية.
- أزمة التوظيف والقنبلة الموقوتة:في ظل الركود الاقتصادي المتوقع وتراجع الإيرادات، ستتوقف التعيينات الحكومية وتقل الرواتب المدفوعة لشبكات الرعاية الاجتماعية (الممولة بـ 6-7 تريليونات من النفط). ستتوقف المشاريع، ويتم تسريح العمال، ليصطدم الشباب بـ “البطالة”، وهي القنبلة الموقوتة الأخطر في العراق، خاصة في ظل فشلنا في تنشيط قطاعات استيعابية كالإسكان والزراعة.
الإطار القانوني: قانون النفط والغاز وشركة النفط الوطنية
تتفاقم هذه الأزمات في ظل بيئة تشريعية مشوهة. قانون النفط والغاز معطل بسبب صراع سياسي بحت حول تفسير “المادة 112” من الدستور بين المركز (الذي يرى الإدارة مركزية) والإقليم (الذي يراها محلية). هذا التباين أنتج سياستين نفطيتين وعقود مشاركة في الإقليم تخضع للتحكيم الدولي في باريس، والذي غالباً ما يحكم لصالح الشركات ضد العراق، كما حدث في قضية تركيا. الحل الوحيد هو إعادة كتابة الدستور لتحديد إدارة الحقول بدقة.
إلى جانب ذلك، تمت تجزئة صناعة النفط الوطنية في العراق بشكل يضعف قدراتها، بدلاً من تأسيس شركة واحدة متكاملة وعملاقة تدير عمليات الاستخراج والتكرير والتسويق والغاز، أسوة بشركات أرامكو السعودية ومؤسسة النفط الكويتية. الصيغة المقدمة لقانون “شركة النفط الوطنية” قاصرة، وتبعد عنها مهام أساسية لتعطيها مهام توزيع الثروة وهو ليس من اختصاصها.
الخاتمة: الإرادة السياسية كمفتاح وحيد للتنمية
في المحصلة، لا توجد في العراق حلول استراتيجية ولم يتم تنويع الاقتصاد، بل اقتصر الأمر على إصلاحات ترقيعية وأعمال إنشائية متفرقة (جسر هنا ومستشفى هناك) لا ترقى لمفهوم التنمية الشاملة.
التنمية ليست مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل هي مشروع سياسي واجتماعي وثقافي يتطلب “طبقة” سياسية محترفة تؤمن به وتتخذ إجراءات إصلاحية قد تكون مؤلمة في بداياتها. الأزمة في العراق ليست في الموارد، بل في بنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الذي يهيمن على مؤسسات الدولة ويُجيرها لمصالحه الحزبية. بدون تغيير سياسي عميق، ووجود سلطة قوية قادرة على فرض سيادة القانون وإدارة الموارد برشد لمحاربة الفساد، فإن الحديث عن التنمية يبقى ضرباً من العبث. يجب أن تتوافر الإرادة السياسية الصلبة لتحمل كلفة التغيير والمقاومة المتوقعة، لإنقاذ العراق من شرك الريعية العميقة وتأسيس اقتصاد قادر على البقاء والمنافسة.

د. نبيل المرسومي
الدكتور نبيل المرسومي ولد في البصرة، سنة 1954؛ حاصل على شهادتي الماجستير (1990) والدكتوراه (2002) بتخصص تنمية وتخطيط من كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة البصرة. والتي عمل فيها، لاحقا، تدريسيا، ورئيس قسم، وعميد. وهو حاليا رئيس قسم تسويق النفط والغاز في جامعة المعقل في البصرة. أثرى المكتبة الاقتصادية العراقية بالعشرات من الكتب وكذلك البحوث العلمية والأكاديمية المنشورة في داخل العراق وخارجه. من بينها: البيئة الاستثمارية في البصرة، 2012؛ تاريخ الأزمات الاقتصادية في العالم، 2014؛ اقتصاد الطاقة، 2016.



No Comment! Be the first one.