العراق على خريطة التنمية البشرية العالمية
قراءة تحليلية في بيانات تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن العراق
تمهيد: السياق العام للتقرير
أصدر مكتب تقرير التنمية البشرية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريره العالمي للعام 2025 تحت عنوان «مسألة اختيار: الناس والإمكانات في عصر الذكاء الاصطناعي»، وهو التقرير الذي يصدر في لحظة فارقة وصفها معدّوه بأنها لحظة تباطؤ غير مسبوق في وتيرة التنمية البشرية على المستوى العالمي منذ بدء احتساب الدليل قبل خمسة وثلاثين عامًا. فللمرة الأولى منذ عقود، تتسع الفجوة بين بلدان التنمية البشرية المرتفعة جدًا وبلدان التنمية المنخفضة بدلًا من أن تضيق، ويُسجَّل أبطأ تحسّن سنوي في قيمة الدليل العالمي خارج فترة الجائحة.
Table Of Content
- تمهيد: السياق العام للتقرير
- أولًا: موقع العراق في الدليل العالمي
- ثانيًا: المسار التاريخي للدليل (1990–2023)
- ثالثًا: اللامساواة وتآكل المكاسب التنموية
- رابعًا: الفجوة بين الجنسين الجرح المفتوح
- دليل اللامساواة بين الجنسين (GII)
- خامسًا: الفقر متعدد الأبعاد
- سادسًا: الاستدامة البيئية والضغوط العالمية
- سابعًا: العراق في المرآة الإقليمية
- خاتمة: قراءة تحليلية
في خضم هذا المشهد العالمي المتعثّر، تأتي بيانات العراق لتحكي قصةً مزدوجة: قصة بلدٍ متوسطة تنميته البشرية، يمتلك موارد ضخمة ودخلًا قوميًا أعلى مما يعكسه واقع تنميته الفعلية، لكنه يدفع ثمنًا باهظًا في مؤشرات التعليم والمساواة بين الجنسين والكفاءة المؤسسية. هذا المقال يستعرض ما قاله التقرير عن العراق، رقمًا رقمًا، ويضع كل مؤشر في سياقه الإقليمي والدولي.
ترتيب العراق العالمي 126 من أصل 193 بلدًا، بقيمة دليل تنمية بشرية بلغت 0.695 لعام 2023 وهي ذات القيمة المسجّلة للعام السابق 2022، ما يعني توقفًا فعليًا للنمو.
أولًا: موقع العراق في الدليل العالمي
صنّف التقرير العراق ضمن فئة «التنمية البشرية المتوسطة»، إذ احتل المرتبة 126 عالميًا برصيد قدره 0.695 على مقياس دليل التنمية البشرية (HDI) لعام 2023. وقد حافظ العراق على المرتبة ذاتها التي حلّ فيها عام 2022، مما يعكس حالة من الجمود في التحسّن السنوي. ويُحتسب الدليل من ثلاثة أبعاد متكاملة:
| الدلالة | قيمة العراق 2023 | المؤشر |
| قريب من متوسط الدول العربية (72.5) | 72.3 سنة | متوسط العمر المتوقع عند الولادة |
| مؤشر تعليمي مقبول من حيث البنية التحتية | 12.4 سنة | سنوات الدراسة المتوقعة |
| نقطة الضعف الكبرى أقل من المتوسط العربي | 6.8 سنوات فقط | متوسط سنوات الدراسة الفعلية |
| أعلى من متوسط بلدان التنمية المتوسطة | 12,654 دولارًا | الدخل القومي الإجمالي للفرد (تعادل القوة الشرائية 2021) |
إن قراءة هذه المؤشرات الأربعة معًا تُظهر مفارقة بنيوية واضحة: فالعراق يمتلك مستوى دخل قومي للفرد أعلى من العديد من نظرائه في فئة التنمية المتوسطة، إذ يبلغ نصيب الفرد 12,654 دولارًا بحساب تعادل القوة الشرائية، في حين أن متوسط سنوات الدراسة الفعلية للسكان البالغين لا يتجاوز 6.8 سنة فقط وهو ما يُعدّ من أدنى المعدلات في فئته. هذه الفجوة بين القدرة الإنفاقية والقدرة التعليمية هي القلب النابض لأزمة التنمية في العراق.
الفجوة بين الدخل والتنمية: ظاهرة اللعنة الايرادية
يقدّم التقرير مؤشرًا تشخيصيًا بالغ الأهمية، هو الفارق بين ترتيب البلد بحسب نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي وترتيبه بحسب دليل التنمية البشرية. وفي حالة العراق، يبلغ هذا الفارق سالب 16 مرتبة، أي أن ترتيب العراق على سلم الدخل أعلى بست عشرة مرتبة من ترتيبه على سُلّم التنمية الفعلية. هذا الانفصال بين ثروة البلد وتنمية مواطنيه يُعدّ علامة كلاسيكية على ما يُعرف اقتصاديًا بـ«اللعنة الايرادية»: حيث تتدفق العائدات الريعية من النفط دون أن تتحوّل بكفاءة كافية إلى استثمارات في رأس المال البشري والخدمات والقدرات.
العراق يخسر 16 مرتبة عند الانتقال من ترتيب الدخل إلى ترتيب التنمية البشرية مؤشر صريح على ضعف تحويل الإيرادات النفطية إلى مكاسب تنموية مستدامة.
ثانيًا: المسار التاريخي للدليل (1990–2023)
يتيح الجدول الثاني في التقرير قراءةً للمسار الزمني للدليل العراقي على مدى ثلاثة عقود ونصف، وهي قراءة تكشف عن قصة تحسّن متدرّج تتباطأ وتيرته بشكل لافت في السنوات الأخيرة:
| 1990 | 2000 | 2010 | 2015 | 2020 | 2023 |
| 0.531 | 0.592 | 0.650 | 0.675 | 0.680 | 0.695 |
أما حين تُترجم هذه الأرقام إلى معدلات نمو سنوية متوسطة، فيظهر ما يمكن تسميته بـ«منحنى التباطؤ المقلق»: فقد سجّل العراق نموًا سنويًا متوسطًا بلغ 1.09% خلال عقد التسعينيات (رغم سنوات الحصار)، وتراجع إلى 0.94% في العقد الأول من الألفية الثالثة، ثم انخفض انخفاضًا حادًا إلى 0.52% فقط خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2023. أي أن وتيرة تحسّن التنمية البشرية في العراق اليوم تساوي نصف ما كانت عليه في عقد التسعينيات تقريبًا، رغم تحسّن الموارد المالية المتاحة بعد عام 2003.
تباطأ نمو التنمية البشرية في العراق إلى النصف: من 1.09% سنويًا في التسعينيات إلى 0.52% فقط خلال 2010–2023. وفي السنة الأخيرة، توقف النمو فعليًا (0.695 → 0.695).
ومن اللافت أن العراق فقد مرتبتين عالميًا في تصنيف الدليل خلال الفترة 2015–2023، رغم استمرار التحسن العددي البطيء، وذلك لأن دولًا أخرى تتقدم بوتيرة أسرع. ويعكس هذا التراجع النسبي ضعف القدرة التنافسية للبلد في تحقيق مكاسب تنموية أسرع من نظرائه.
ثالثًا: اللامساواة وتآكل المكاسب التنموية
حين يُعدَّل دليل التنمية البشرية ليأخذ في الاعتبار التفاوتات الداخلية بين أبناء البلد الواحد، يظهر مدى تآكل المكاسب الظاهرية. فدليل التنمية البشرية المعدَّل بحسب اللامساواة (IHDI) للعراق ينخفض إلى 0.534، أي بخسارة قدرها 23.2% من القيمة الأصلية. هذا يعني أن نحو ربع التنمية البشرية في العراق «تتبخر» عند احتساب التفاوت بين شرائح المجتمع. والأخطر أن مصادر هذه اللامساواة تتمركز في التعليم تحديدًا:
| نسبة اللامساواة في العراق | بعد اللامساواة |
| 13.3% مستوى متوسط | اللامساواة في العمر المتوقع (الصحة) |
| 29.7% الأعلى ضمن الأبعاد الثلاثة | اللامساواة في التعليم |
| 25.5% مرتفعة | اللامساواة في الدخل |
| 22.8% | معامل اللامساواة البشرية الإجمالي |
| 29.5 | معامل جيني للدخل (2010–2023) |
تشير هذه الأرقام إلى أن نظام التعليم العراقي يولّد تفاوتات أعمق من تلك التي يولّدها سوق العمل أو الخدمات الصحية. وعند النظر إلى توزيع الدخل، نجد أن أفقر 40% من السكان يحصلون على 21.9% من الدخل الكلي، بينما يستحوذ أغنى 10% على 23.7%، وأغنى 1% على 15.7% من الدخل القومي. ورغم أن هذه الأرقام تبدو أفضل نسبيًا من العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط، فإنها تخفي وراءها تفاوتات قطاعية وجغرافية حادة لا يلتقطها معامل جيني وحده.
رابعًا: الفجوة بين الجنسين الجرح المفتوح
تُمثّل الفجوة بين الجنسين في العراق أخطر ما رصده التقرير وأكثر مؤشراته صراحةً في الكشف عن اختلال هيكلي. فالعراق يُصنَّف ضمن المجموعة الخامسة في دليل التنمية البشرية بحسب النوع الاجتماعي (GDI)، وهي أسوأ المجموعات الخمس على الإطلاق، التي تضم البلدان التي تنحرف فيها قيمة الدليل بين الجنسين بأكثر من 10% عن المساواة. والقيمة الفعلية للدليل في العراق هي 0.793، وهي قيمة منخفضة جدًا تشير إلى انحياز كبير لصالح الذكور.
| الإناث | الذكور | المؤشر |
| 0.592 | 0.747 | دليل التنمية البشرية |
| 74.1 | 70.4 | متوسط العمر المتوقع (سنة) |
| 11.8 | 12.9 | سنوات الدراسة المتوقعة |
| 5.6 | 8.0 | متوسط سنوات الدراسة الفعلية |
| 2,909 | 22,332 | الدخل القومي للفرد (دولار، تعادل القوة الشرائية) |
نصيب المرأة العراقية المقدَّر من الدخل القومي للفرد لا يتجاوز 13% من نصيب الرجل (2,909 دولارًا مقابل 22,332 دولارًا) واحدة من أوسع الفجوات الاقتصادية بين الجنسين على المستوى العالمي.
ولعل أبرز ما يكشفه التقرير هو أن الفارق ليس في الصحة (حيث تتفوّق المرأة العراقية على الرجل بأكثر من ثلاث سنوات في متوسط العمر المتوقع)، بل في فرص التعليم والعمل والدخل. فالمرأة العراقية تحصل في المتوسط على 5.6 سنوات من التعليم مقابل 8.0 سنوات للرجل، أي ما يعادل 70% من تعليم نظيرها الذكر. والأخطر أن نصيبها المقدّر من الدخل القومي للفرد يبلغ 2,909 دولارات فقط، أي 13% فقط من نصيب الرجل البالغ 22,332 دولارًا وهذه واحدة من أوسع الفجوات الجندرية في الدخل المسجّلة في العالم.
دليل اللامساواة بين الجنسين (GII)
في دليل اللامساواة بين الجنسين، يحتل العراق المرتبة 148 عالميًا بقيمة 0.558، وهي قيمة مرتفعة تدل على انعدام مساواة حادة. وتتوزّع المؤشرات الفرعية على النحو التالي:
| القيمة | المؤشر |
| 76 | معدل وفيات الأمومة (لكل 100,000 ولادة حية) |
| 58.0 | معدل الإنجاب لدى المراهقات (لكل 1000 أنثى 15–19) |
| 29.1% | نسبة المقاعد البرلمانية للنساء |
| 24.5% مقابل 39.8% للذكور | نسبة الإناث الحاصلات على تعليم ثانوي فأكثر (25 سنة فأكثر) |
| 10.7% مقابل 67.2% للذكور | نسبة مشاركة الإناث في القوى العاملة |
تنبع المفارقة الأكثر إثارة للقلق من المقارنة بين نسبة المقاعد النيابية للمرأة (29.1% وهي نسبة محترمة بفضل نظام الكوتا)، وبين نسبة مشاركتها الفعلية في سوق العمل (10.7% فقط). أي أن التمكين السياسي الرسمي للمرأة العراقية يفوق بكثير تمكينها الاقتصادي الفعلي. وتُعدّ نسبة 10.7% من بين أدنى نسب مشاركة المرأة في القوى العاملة في العالم، بل من أدنى النسب حتى ضمن الدول العربية ذاتها، إذ يبلغ متوسط مشاركة المرأة في الدول العربية مجتمعةً نحو 18.4%. هذه الفجوة ترجمة مباشرة للضياع الاقتصادي الذي يتحمّله البلد جراء تعطيل نصف طاقته البشرية.
خامسًا: الفقر متعدد الأبعاد
اعتمد التقرير على مسح عام 2018 (مسح العنقودي متعدد المؤشرات) لاحتساب دليل الفقر متعدد الأبعاد للعراق، وكانت النتائج كالآتي:
- قيمة الدليل العام (MPI): 0.033
- نسبة السكان الذين يعانون فقرًا متعدد الأبعاد: 8.6% (نحو 3.48 مليون نسمة عام 2018، يتوقع وصولهم إلى 4.56 مليون نسمة بحلول2030)
- نسبة السكان المعرّضين للفقر متعدد الأبعاد: 5.2%
- نسبة الفقر متعدد الأبعاد الحاد: 1.3%
- شدة الحرمان (متوسط نسبة الحرمان لدى الفقراء): 37.9%
- نسبة الفقر في المناطق الريفية: 18.9% مقابل 0.1% فقط في المناطق الحضرية
التعليم وحده يسهم بنسبة 60.9% في تكوين الفقر متعدد الأبعاد في العراق فيما تسهم الصحة بـ 33.1% ومستوى المعيشة بـ 6.0% فقط.
هذه التركيبة تعد غير اعتيادية على المستوى الإقليمي والعالمي. فبينما يهيمن مكوّن مستوى المعيشة (الكهرباء، المياه، الصرف الصحي، الوقود، الأصول) على مؤشرات الفقر في معظم البلدان النامية، نجد أن العراق يعاني من «فقر تعليمي» بشكل أساسي. وتُبرز هذه النتيجة، مرة أخرى، أن عُقدة التنمية في العراق ليست إنفاقية بقدر ما هي بنيوية ومرتبطة بتراجع جودة المنظومة التعليمية وتسرّب الأطفال وهي ظاهرة يفاقمها سنوات الصراع وإهمال الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية التعليمية.
كما تكشف الأرقام عن فجوة حضرية ريفية صارخة: ففي حين يكاد الفقر متعدد الأبعاد يختفي تمامًا في المدن (0.1% فقط)، يطال نحو خُمس سكان الريف (18.9%). هذه الفجوة، البالغة 189 ضعفًا، تشير إلى أن التهميش التنموي في العراق يتركّز جغرافيًا في المناطق الريفية، خصوصًا في الجنوب الزراعي والمناطق الحدودية، ما يستوجب استراتيجيات تنموية إقليمية مفصّلة لا برامج وطنية موحّدة.
سادسًا: الاستدامة البيئية والضغوط العالمية
يعدل التقرير دليل التنمية البشرية في الجدول السابع ليأخذ في الاعتبار الضغوط التي تمارسها الأنشطة الاقتصادية لكل بلد على الكوكب (انبعاثات الكربون والبصمة المادية للموارد). وللعراق هنا أداء «مفاجئ نسبيًا»:
- قيمة الدليل المعدَّل بالضغوط العالمية (PHDI): 0.665
- نسبة الفارق عن الدليل الأصلي: 4.3% فقط (تراجع طفيف)
- صعود في الترتيب بمقدار 13 مرتبة عند التعديل بالاستدامة
- معامل تعديل الضغوط العالمية: 0.957
- انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للفرد: 3.9 طن
- البصمة المادية للفرد: 3.2 طن (منخفضة)
تقدّم هذه المؤشرات صورة معاكسة لما هو متوقّع من بلد منتج للنفط: فالعراق لا يعد من البلدان كثيفة الاستهلاك العالمي، إذ تبقى انبعاثاته للفرد متواضعة (3.9 طن للفرد سنويًا) مقارنةً ببلدان الخليج الأخرى (التي تتجاوز 15 طنًا للفرد). كما أن البصمة المادية للفرد الواحد لا تتعدى 3.2 طن، وهي من بين الأدنى في فئة التنمية المتوسطة. لكن قراءة هذه الأرقام تستوجب تحفظًا منهجيًا: فالعراق ينتج نفطًا للتصدير لا للاستهلاك المحلي، ومن ثَمّ تُحتسب انبعاثات احتراقه على البلدان المستوردة لا على العراق نفسه. كما أن المؤشرات لا تلتقط ظواهر الإحراق الغازي والتلوث المحلي وتدهور الأهوار والتصحّر، التي تُعدّ من أبرز التحديات البيئية الراهنة في العراق.
سابعًا: العراق في المرآة الإقليمية
يصنّف التقرير العراق ضمن مجموعة الدول العربية البالغة عشرين دولة وإقليمًا. وعند مقارنة بيانات العراق بالمتوسطات الإقليمية للمجموعة، تظهر صورة متباينة:
| متوسط الدول العربية | العراق | المؤشر |
| 0.719 | 0.695 | دليل التنمية البشرية (HDI) |
| 0.544 | 0.534 | الدليل المعدَّل باللامساواة (IHDI) |
| 0.871 | 0.793 | دليل التنمية بحسب النوع الاجتماعي (GDI) |
| 0.539 | 0.558 | دليل اللامساواة بين الجنسين (GII) |
| 0.072 | 0.033 | دليل الفقر متعدد الأبعاد (MPI) |
| 5,493 | 2,909 | نصيب المرأة من الدخل (دولار) |
تقدم هذه المقارنة خلاصة مهمة: فالعراق يقع تحت المتوسط العربي في الدليل العام (0.695 مقابل 0.719)، ويسجل أداءً أسوأ بشكل ملحوظ في فجوة النوع الاجتماعي. لكنه يتفوّق على المتوسط العربي في معدلات الفقر متعدد الأبعاد، وهو ما يعكس أن مستوى المعيشة الأساسي (الكهرباء، المياه، الإسكان، الأصول) في العراق أفضل نسبيًا مقارنة ببلدان عربية أخرى أكثر فقرًا، رغم كل أزمات الخدمات التي يعيشها.
والمعطى الأكثر أهمية في هذا الجدول هو أن نصيب المرأة العراقية من الدخل القومي يعادل نحو 53% فقط من نصيب نظيرتها في متوسط الدول العربية (2,909 مقابل 5,493 دولارًا). هذا يعني أن الفجوة بين الجنسين الاقتصادية في العراق ليست فقط أوسع من المتوسط الإقليمي، بل تكاد تضع المرأة العراقية في فئة اقتصادية مستقلة عن نظيراتها في المنطقة.
خاتمة: قراءة تحليلية
تقدم بيانات تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 2025 صورةً متناقضة عن العراق: بلد متوسط الدخل، يمتلك موارد وفيرة وطفرة سكانية شابة، لكنه يُترجم هذه الميزات إلى تنمية بشرية أبطأ بكثير من نظرائه. والمحاور الخمسة الأكثر إلحاحًا التي يكشفها التقرير، والتي ينبغي أن تتصدّر أولويات السياسات العامة في المرحلة المقبلة، يمكن تلخيصها في الآتي:
1. أزمة التعليم هي الأزمة الأم
بمتوسط 6.8 سنوات دراسة فقط للسكان البالغين، و60.9% من الفقر متعدد الأبعاد ناتج عن الحرمان التعليمي، و29.7% لامساواة في التعليم، يصبح إصلاح المنظومة التعليمية ليس قضية اجتماعية فحسب، بل القضية الاقتصادية الكبرى للعقد المقبل. الإنفاق التعليمي في العراق دون المتوسط الإقليمي بفارق واضح، ولا يكفي زيادة الميزانيات دون إصلاح هيكلي للحوكمة المدرسية ومحاربة التسرّب التعليمي.
2. تحرير نصف الطاقة البشرية
إن نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة البالغة 10.7% تمثل خسارة اقتصادية مباشرة. ولو ارتفعت هذه النسبة إلى المتوسط الإقليمي (18.4%) فقط، لانعكس ذلك في زيادة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي. تستوجب هذه القضية حزمة سياسات متكاملة تشمل قوانين العمل، ودور الحضانة، والمواصلات الآمنة، وقوانين الأحوال الشخصية، والوصول إلى الائتمان.
3. كسر اللعنة الايرادية
الفارق السلبي البالغ 16 مرتبة بين ترتيب الدخل وترتيب التنمية يعني أن العراق ينفق عائداته النفطية بكفاءة تنموية متدنية. الحل ليس في زيادة الإنفاق، بل في تحويله من إنفاق تشغيلي ريعي إلى إنفاق رأسمالي على التعليم والبنية التحتية والقدرات الإنتاجية، وفي بناء صناديق سيادية تنموية تحوّل العائدات الزائدة إلى أصول طويلة المدى.
4. سياسات تنموية إقليمية لا قطاعية
الفجوة الحضرية الريفية في الفقر متعدد الأبعاد (0.1% مقابل 18.9%) تكشف عن حاجة العراق إلى خرائط تنموية مكانية، تستهدف المحافظات والمناطق الأكثر تهميشًا ببرامج خاصة. التعامل مع المتوسطات الوطنية وحدها يخفي تفاوتات هائلة بين بغداد والمحافظات الجنوبية الزراعية والمناطق الغربية المتضررة من الحروب.
5. عدم الاكتفاء بمؤشرات الاستدامة الظاهرة
تحسين رتبة العراق بمقدار 13 مرتبة عند التعديل بالضغوط العالمية لا يعني أن البلد على المسار البيئي السليم. فالمؤشرات لا تلتقط ظواهر الإحراق الغازي وتدهور الأهوار وتلوّث الأنهار. وفي ظل تسارع التغير المناخي، يحتاج العراق إلى مؤشرات بيئية محلية وفصلها عن المؤشرات المرتبطة بالاستهلاك العالمي.
العراق ليس بلدًا فقيرًا تنمويًا بل بلد ينفق ثروته بكفاءة منخفضة. والاختيار، كما يوحي عنوان التقرير ذاته، ليس بين النمو والاستقرار، بل بين الاستمرار في النموذج الريعي الراهن وبين تحويل عائدات النفط إلى رأسمال بشري ومؤسسي قادر على استدامة التنمية بعد النفط.
إن الرسالة الكلية التي يبعثها تقرير 2025 للعراق ليست رسالة إنذار بكارثة وشيكة، بل رسالة دعوة إلى إعادة معايرة. فالأرقام الراهنة تضع العراق في منطقة «الركود التنموي»: لا هو تراجع، ولا هو تقدّم بالسرعة الكافية. وفي عصر يتسارع فيه تحوّل الذكاء الاصطناعي، كما يصرّ التقرير، ستكون الفجوة بين البلدان التي تستثمر في رأسمالها البشري وتلك التي تتأخر في ذلك أوسع بكثير مما كانت عليه في أي حقبة سابقة. والاختيار، حقًا، هو اختيار.
ملحق: ملخص البيانات الكمية للعراق في تقرير 2025
| القيمة | المؤشر |
| 126 من أصل 193 | الترتيب العالمي |
| 0.695 | دليل التنمية البشرية (HDI) 2023 |
| 0.534 (خسارة 23.2%) | دليل التنمية المعدَّل باللامساواة (IHDI) |
| 0.793 (المجموعة 5 الأسوأ) | دليل التنمية بحسب النوع الاجتماعي (GDI) |
| 0.558 (المرتبة 148) | دليل اللامساواة بين الجنسين (GII) |
| 0.033 (8.6% من السكان فقراء) | دليل الفقر متعدد الأبعاد (MPI 2018) |
| 0.665 (تراجع 4.3% فقط) | الدليل المعدَّل بالضغوط الكوكبية (PHDI) |
| 0.52% (تباطؤ حاد) | متوسط النمو السنوي 2010–2023 |
| –16 مرتبة | الفارق بين ترتيب الدخل والتنمية |
| 10.7% فقط | نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة |
| 60.9% | الإسهام التعليمي في الفقر متعدد الأبعاد |
المصدر: تقرير التنمية البشرية 2025 «مسألة اختيار: الناس والإمكانات في عصر الذكاء الاصطناعي»، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الجداول الإحصائية 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7.

منار العبيدي
منار العبيدي: مهندس ومحلل اقتصادي، يشغل منصب المدير التنفيذي لمؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية. يتميز أسلوبه بالدقة الهندسية في تشخيص الخلل الهيكلي بالاقتصاد العراقي بعيداً عن التنظير، حيث يرتكز في رؤيته على لغة الأرقام والبيانات الدقيقة. يركز بشكل مكثف على تحليل حركة التجارة الخارجية والقطاع الخاص وتنمية الإيرادات غير النفطية، مما جعله مرجعاً موثوقاً في تبسيط القضايا المالية المعقدة ورفع الوعي الاستثماري والمجتمعي بآليات السوق.



No Comment! Be the first one.