أبرز التحديات الاقتصادية التي ستواجه الحكومة العراقية القادمة
ورقة تحليلية في الاقتصاد العراقي
ورقة تحليلية في الاقتصاد العراقي
Table Of Content
ملخص تنفيذي
تقف الحكومة العراقية المقبلة أمام منعطف اقتصادي بالغ الحساسية، إذ تتراكم أمامها جملة من التحديات التي لم يعد بالإمكان تأجيل اتخاذ قرارات حاسمة بشأنها. وتتمحور هذه التحديات حول ستة محاور رئيسية: تراجع صادرات النفط الخام، وتصاعد الدين الداخلي، وارتفاع معدلات البطالة، وتعقيدات العلاقة الاقتصادية مع إيران، وإعادة ضبط العلاقات النفطية مع الصين والهند، فضلاً عن اختلال الميزان التجاري وعجوزاته البنيوية.
تقدم هذه الورقة قراءة تحليلية لكل محور من هذه المحاور، مدعومة بالأرقام والمؤشرات، بهدف رسم صورة واضحة للوضع الراهن والخيارات المتاحة أمام صانع القرار.
أولاً تراجع صادرات النفط الخام
يمثل هذا التحدي الأخطر على الإطلاق، باعتبار النفط الشريان الرئيس للموازنة العامة والمحرّك الأكبر للاقتصاد الوطني. فمنذ ما يزيد على شهرين، يكاد التصدير النفطي العراقي يتوقف كلياً، ويدخل حالياً شهره الثالث في ظل أزمة مضيق هرمز التي تعيق حركة الناقلات.
وقد انعكس ذلك مباشرة على الأرقام؛ إذ تراجعت قيمة الصادرات النفطية من نحو 6.7 مليار دولار في شباط/فبراير إلى 1.9 مليار دولار فقط في آذار/مارس 2026، أي بنسبة تراجع تتجاوز الـ 72% خلال شهر واحد.

الشكل (1): تراجع إيرادات صادرات النفط الخام بين شباط وآذار 2026 (مليار دولار أمريكي)
ولأن الإيرادات النفطية تشكّل أكثر من 92% من إجمالي إيرادات الدولة، فإن هذا التراجع سينعكس سلباً وبشكل حاد على الإيرادات العامة، وسيمتد أثره غير المباشر ليطال الإيرادات غير النفطية المرتبطة ضمنياً بالنشاط النفطي، ولا سيما الإيرادات الكمركية.

الشكل (2): هيكل إيرادات الدولة العراقية ونسبة الاعتماد على النفط
مؤشر الخطر
في غياب بدائل تصديرية ممكنة، يبدو أن الخيار الوحيد المتاح لتغطية النفقات الحاكمة التي تتجاوز 5 مليارات دولار شهرياً هو الاقتراض الداخلي والخارجي، ريثما تستقر الملاحة في مضيق هرمز ويُستأنف تدفّق الناقلات بسلاسة، وهو أمر يبقى توقيته مجهولاً.
ثانياً تصاعد الدين الداخلي وضغوط التمويل
تجاوز الدين الداخلي العراقي حاجز 100 ترليون دينار، ما يُلقي بضغوط هائلة على المؤسسات المالية المحلية التي تعاني أصلاً من ضعف الثقة وهشاشة قاعدتها الرأسمالية. ومن ثَم، لم تعد الاستدانة الداخلية خياراً قابلاً للاستمرار، ويغدو البحث عن بديل تمويلي خارجي ضرورة ملحّة.
غير أن غياب الإصلاحات الهيكلية في الموازنة العامة، وتراجع التصنيف الائتماني للعراق، يجعلان من العسير الحصول على قروض خارجية بشروط ميسّرة. وبهذا، تصبح قدرة الحكومة على الإيفاء بالنفقات التشغيلية الحاكمة على المحك، علماً بأن أي إخلال بهذه النفقات قد يُترجم إلى اضطرابات في الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي، ويُفضي إلى تعقيدات يصعب احتواؤها لاحقاً.
ثالثاً ارتفاع معدلات البطالة وضغط الباحثين عن العمل
على الرغم من شحّ المؤشرات الرسمية الدقيقة، تشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن نسبة البطالة في صفوف الشباب العراقي تتجاوز 30%، وأن سوق العمل يستقبل سنوياً ما يزيد على 500 ألف طلب جديد للدخول إليه.
ومع تراجع الناتج المحلي الإجمالي جرّاء انكماش الصادرات النفطية التي تُسهم بنحو 65% من إجماليه، وضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى، يُتوقع ارتفاع معدلات البطالة بصورة ملحوظة. وستجد الحكومة نفسها أمام ضغط متصاعد من الفئة الشبابية وهي الشريحة الأكبر ديموغرافياً للمطالبة بفتح باب التعيينات الحكومية، وهي الوصفة التي اعتادت الحكومات السابقة استخدامها لامتصاص الاحتقان الاجتماعي.
بيد أن المعادلة اليوم مختلفة جذرياً؛ فمع تراجع الإيرادات وتضخّم النفقات إلى مستويات غير مسبوقة، سيكون التوسع في التعيين الحكومي أمراً يكاد يكون مستحيلاً، مما يضاعف الضغط السياسي والاجتماعي على الحكومة المقبلة.
الشكل (3): لوحة المؤشرات الاقتصادية الرئيسية الضاغطة على الحكومة المقبلة
رابعاً تعقيدات العلاقة الاقتصادية مع إيران
تعتبر إيران شريكاً تجارياً محورياً للعراق، إذ يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 12 مليار دولار سنوياً، تتصدّرها صادرات الغاز الإيرانية بأكثر من 5 مليارات دولار، فضلاً عن سلع متنوعة، أبرزها المواد الغذائية.
ومع تشديد العقوبات الأمريكية على طهران في أعقاب الأزمة الأخيرة، يُتوقّع أن تمارس واشنطن ضغوطاً متصاعدة على بغداد لتقليص هذا التبادل أو تجميده، بهدف قطع تدفّق العملة الصعبة نحو الجانب الإيراني. وفي ظل غياب بدائل مقاربة من حيث السعر والجودة، فإن أي تعطيل لهذه القناة التجارية سيُترجم إلى ضغوط تضخمية على السلع، ولا سيما الغذائية منها.
المؤشر الميداني
ارتفعت أسعار الخضروات بنسبة 13% في آذار/مارس مقارنة بشباط/فبراير 2026 نتيجة انقطاع جزء من الإمدادات الإيرانية، وهي الإشارة الأولى لأثر تضخمي قد يتسع نطاقه.
خامساً إعادة ضبط العلاقة النفطية مع الصين والهند
في خضم أزمة مضيق هرمز وتراجع صادرات نفط الخليج، سارعت كل من الصين والهند وهما المستوردان الأكبران للنفط العراقي إلى البحث عن بدائل، فوجدتا ضالتيهما في البرازيل وأنغولا، فضلاً عن رفع وتيرة الاستيراد من روسيا. وقد اقترن ذلك بانسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك، وهو ما سيُعزّز قدراتها التصديرية ويُتيح لها انتزاع حصص إضافية في الأسواق الآسيوية.

الشكل (4): تحول حصة العراق في سوق النفط الصيني بعد أزمة هرمز (نسب توضيحية)
إن إعادة إحلال النفط العراقي مكان نفوط هذه الدول البديلة عند انفراج الأزمة لن تكون عملية تلقائية، بل ستتطلّب جملة من الإجراءات:
- تحركاً دبلوماسياً نشطاً لإعادة بناء العلاقات مع كل من بكين ونيودلهي.
- تقديم حزم من التخفيضات السعرية والامتيازات التعاقدية لاستعادة الحصص السوقية المفقودة.
- التضحية المرحلية ببعض الإيرادات المفترضة لاستعادة الموقع التنافسي.
ويرجح أن تشهد المرحلة التالية لانتهاء الأزمة بداية حرب أسعار في السوق النفطية بين المنتجين، وهو ما يستلزم استعداداً مسبقاً ومرونة تفاوضية عالية من الجانب العراقي.
سادساً اختلال الميزان التجاري وعجوزاته البنيوية
على الرغم من أن العراق لا يزال يحتفظ حتى آذار/ مارس بفائض تجاري في ميزانه الإجمالي مع العالم، إلا أن هذا الفائض مهدد بالتآكل بفعل تراجع قيمة الصادرات النفطية. وإلى جانب ذلك، يعاني الميزان التجاري من اختلالات بنيوية متجذّرة على المستوى الثنائي مع عدد من الشركاء التجاريين.

الشكل (5): العجز التجاري الثنائي للعراق مع كبار الشركاء (مليار دولار أمريكي)
ومع تراجع الإيرادات النفطية، سيلقي هذا العجز بظلاله على قدرة العراق على تمويل وارداته، ما يستوجب اللجوء إلى احتياطيات البنك المركزي لسد الفجوة. ومن ثم، يصبح التحدي مزدوجاً: إعادة هيكلة العلاقات الاقتصادية مع الدول التي يعاني العراق معها من عجز كبير، والحفاظ في الوقت ذاته على فائض الميزان التجاري الإجمالي رغم تراجع المبيعات النفطية.
خلاصة واستشراف
ثمة تحديات إضافية تتصل بالقطاعات المتعطلة كالزراعة والصناعة والسياحة، إلا أن التحديات الستة المُستعرَضة آنفاً تبقى الأكثر إلحاحاً وخطورة على أجندة الحكومة المقبلة.
والمطلوب اليوم تجاوز نهج الإدارة التقليدية الذي اتبعته الحكومات المتعاقبة، والمضي نحو قرارات مصيرية وإجراءات إصلاحية جراحية عميقة، حتى وإن كانت تكلفتها المرحلية مرتفعة على الاقتصاد الوطني. فالاستمرار في النهج ذاته في ظل هذه الظروف الاستثنائية لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة.
توصية ختامية
يستلزم الواقع الراهن إعادة هندسة شاملة للسياسات المالية والنقدية والتجارية للعراق، بما يضمن تنويع مصادر الدخل، وتقليص هشاشة القطاع النفطي، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات المالية المحلية، إلى جانب صياغة استراتيجية متكاملة لإدارة العلاقات الاقتصادية الإقليمية والدولية بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.

منار العبيدي
منار العبيدي: مهندس ومحلل اقتصادي، يشغل منصب المدير التنفيذي لمؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية. يتميز أسلوبه بالدقة الهندسية في تشخيص الخلل الهيكلي بالاقتصاد العراقي بعيداً عن التنظير، حيث يرتكز في رؤيته على لغة الأرقام والبيانات الدقيقة. يركز بشكل مكثف على تحليل حركة التجارة الخارجية والقطاع الخاص وتنمية الإيرادات غير النفطية، مما جعله مرجعاً موثوقاً في تبسيط القضايا المالية المعقدة ورفع الوعي الاستثماري والمجتمعي بآليات السوق.



No Comment! Be the first one.