منظومة النقل البحري الدولي وفرضية أهمية موقع العراق الجغرافي في ربط حركة البضائع بين آسيا وأوروبا
تحليل معمق لتحديات تحول العراق إلى ممر تجاري بديل بين آسيا وأوروبا، مع استعراض خيارات واقعية لتعزيز دوره في منظومة النقل...
مقدمة
شهد القرن العشرين، تحولات عديدة وكبيرة في أساليب وطرق وأنماط نقل البضائع بحرياً بين دول وقارات العالم نتيجة العديد من العوامل والتي غيرت كثيراً في شكل صناعة النقل الدولي وساعدت في تشكيل منظومة سلاسل نقل وإمداد عالمية تمتاز بالانسيابية والمرونة والكفاءه، وهذا ما إنعكس إيجابياً على النمو الاقتصادي في الكثير من دول العالم. يسلط هذا المقال الضوء على تطور النقل البحري التجاري ومنظومته حول العالم، كما ويبحث مسألة إمكانية تحول مسارات النقل الدولية من آسيا نحو أوروبا من خلال العراق، والخيارات المتاحة أمام العراق لكي يكون جزءاً حيوياً ومهماً ضمن هذه المنظومة.
نظره عامة على تطور صناعة واقتصاديات النقل البحري التجاري الدولي
كانت عمليات النقل البحري التجاري (Shipping operations) في بدايات القرن العشرين وما قبلها، تعتمد على نقل البضائع العامة او السائبة (General Cargo – Break Bulk) في سفن مفتوحة، يتم فيها تحميل وتفريغ البضائع بطرق بدائية تتطلب أعداداً كبيرة من العمالة وتستنزف الكثير من الوقت والجهد، وهذه العمليات كانت تسبب حالات تأخير واستنزاف للموارد وزيادات كبيرة للكلف وتلف للبضائع وبالتالي خسارة كبيرة للتجار والمصنعين.
حتى جاءت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما ابتكر الامريكي مالكوم ماكلين عام ١٩٥٥، النموذج الأولي لحاوية النقل النمطية والتي أحدثت ثورة في عالم النقل المحلي والدولي، حيث إنه فتح الباب لتسهيل وتسريع عمليات تحميل ونقل وتفريغ البضائع وتقليل الكلف بنسب عالية وتخفيض مستوى الاعتماد على العامل البشري الى أدنى مستوى. لذلك شجع هذا الابتكار الثوري الجديد، الشركات والمصانع بل وحتى الدول لتطوير كافة المفاصل المرتبطة بالنقل بدأ من تحديث تصاميم ومواصفات السفن وتطوير الموانئ ومعدات المناولة والبنى التحتية وشبكات الطرق والقاطرات والشاحنات لتتمكن الاطراف ذات العلاقة من تحقيق أكبر كفاءة إقتصادية وعملياتية ممكنة من استخدام النقل بالحاويات. وقد اثبتت التجربة ان التحول نحو النقل بالحاويات أحدث نقلة نوعية كبرى أعادت تشكيل صناعة النقل التجاري من جديد.
وفي فتره منتصف ستينات القرن الماضي، ومع ازدياد الطلب على النقل بالحاويات، قامت شركات النقل البحري والخطوط الملاحية، بتقديم خدمات نقل مباشرة تربط موانئ دول الانتاج مع موانئ دول الاستيراد، وباستخدام ممرات بحرية رئيسية محددة (Corridors) اعتمدتها شركات النقل البحري الدولية، وهذا ما يعرف بنظام النقل النقطي (point to point). وقد ساعد هذا النظام في سرعة تدفق الحاويات ونقلها بين الدول، لكن مع مرور الوقت وارتفاع الطلب على النقل بالحاويات، بدأت تظهر الكثير من العوائق والتحديات الضاغطه على هذا النظام وكل الشركات والاطراف العاملة به.
فخلال الفترة الممتدة من عام 1970 حتى عام 1980، زاد الطلب على نقل البضائع بالحاويات من 717 مليون طن سنوياً، الى 1.225 مليون طن سنوياً، مما شكل عبئاً على شركات النقل البحري والموانئ وباقي المفاصل المرتبطه بها. وقد أدى هذا الارتفاع الكبير في الطلب لحدوث تكدس في البضائع وتأخير في الموانئ نتيجة عدم وجود سفن بأعداد وطاقات كافية للتعامل مع الزيادات الكبيره في عدد الحاويات، ما تسبب في ارباك مستمر في سلاسل النقل وتعطل وصول البضائع وارتفاع في الكلف.
هذا التطور المهم في سوق النقل البحري الدولي، دفع الاطراف المعنية شركات نقل وموانئ ومؤسسات اخرى لتبني سلسلة من الحلول للخروج من هذا الوضع الضاغط وتحسين مستوى الكفاءة والانتاجية لقطاع الشحن البحري، وبما ينسجم مع التطور في استراتيجيات عمل شركات النقل البحري، للوصول الى أفضل خدمة وبأقل كلفة ممكنة. ومن أهم الحلول التي تم تبنيها، الانتقال من نظام النقل النقطي المباشر (point to point) الى النظام النقل المحوري غير المباشر (Hub & Spoke)، وكذلك الاتجاه نحو الاستثمار في بناء سفن جديدة و بطاقات استيعابية اكبر لنقل الحاويات.
نظام النقل المحوري غير المباشر (Hub & Spoke System)
في هذا النظام الجديد، تكون عملية نقل الحاوية بحرياً مغايرة عن النظام القديم، فبدلاً من ان تقوم السفن برحلة مباشره لموانئ التفريغ، تم تقسيم الموانئ الى موانئ محلية (Spoke ports) وموانئ محورية (Hub Ports) في كل أقليم. يتم فيها ربط الموانئ المحلية مع الموانئ المحورية من خلال سفن توزيع صغيرة او متوسط الحجم (feeders) والتي تقوم بنقل وتبادل الحاويات بين تلك الموانئ بعملية تسمى اعادة الشحن (Transhipment) من خلال رحلات لمسافات قصيره. كما ويمكن نقل الحاويات برياً من المصانع او المخازن الى ساحات الحاويات في الميناء المحوري (إن توفر إرتباط بري مناسب).
وعندما يتم تجميع الحاويات في الموانئ المحورية في بلد التصدير (ميناء شانغهاي الصيني مثلاً)، تقوم السفن الام (Mother vessels) الكبيرة وذات الطاقات التحميلية الضخمة، بتحميل الحاويات المجمعه في تلك الموانئ والاتجاه نحو ميناء محوري اخر، وهكذا حتى تغطي هذه السفن كل الموانئ المحورية في مسارها الرئيسي الطويل (Long Haul) وصولاً لاخر ميناء في جدول رحلاتها (ميناء روتردام الهولندي مثلاً). تعود بعدها السفن الام نحو بلدان التصدير بنفس المسار، ولتقوم خلال ذلك السفن الصغيرة بتحميل ما تم تفريغه من السفن الام في الموانئ المحورية واعادة شحنه الى الموانئ المحلية او الاقليمية الصغيرة.
وهنا نلاحظ ان السفن الام تنحصر مهمتها فقط بزيارة موانئ محورية قليلة ومحددة في كل أقليم وربطها مع موانئ محورية في اقاليم أخرى من خلال السير في ممرات بحرية محدده (Corridors) وحسب جدول الرحلات المقرر من قبل كل شركة من شركات النقل او الشحن البحري (في الشرق الأوسط مثلاً هناك 3-5 موانئ محورية).
ومع مرور الوقت أصبح هذا النموذج في النقل البحري هو النموذج الأكثر شيوعاً، حيث مكن شركات الشحن البحري من رفع قدراتها التحميلية لمستويات كبيرة، وتحقيق أمثل استخدام ممكن للسفن (vessel utilisation). وزاد من كفائه عمليات تحميل وتفريغ وتوزيع الحاويات انطلاقا من ميناء التصدير وحتى ميناء الاستلام النهائي، وبانسيابية كبيرة وزمن وصول مناسب وكلفة منخفضه وتنافسية، وهذا ما ساعد تلك الشركات على تقديم خدمات نقل بحري بأسعار مخفضه تلتزم بمواعيد وصول ثابته وعلى مدار الاسبوع.
زياده احجام السفن البحرية
خلال فترة ازدياد الطلب على الشحن البحري، تبنت اغلب الشركات الملاحية الدولية استراتيجية نمو وتوسع تعتمد على زياده عدد وتحديث أساطيلها البحرية بسفن ذات طاقات استيعابيه أكبر لتعمل بشكل كفوء على المسارات الجديده التي تم استحداثها بعد تطبيق نظام النقل المحوري الجديد، ولزياده عدد الموانئ والمناطق الجغرافية التي يمكن تغطيتها. وتتعلق مسأله رفع الكفاءة، بقدرة السفن الكبيرة الجديدة على تحميل اكبر كمية متوفرة من الحاويات حيث انه كلما زادت طاقة السفينة الاستيعابيه كلما قلت كلفة نقل كل حاوية لكل ميل بحري، أي تحسن فيها المقياس او النطاق الاقتصادي (Scale economies). وهذا يعني قدرة على تقديم اسعار شحن اكثر تنافسية من باقي الشركات التي تشغل سفناً اصغر.
وبنظره سريعة لمسار تطور حجم سفن الحاويات تاريخياً، نجد ان حجم هذه السفن زاد بنسبة 1200% من عام 1968 (سفن بحجم 1530 حاوية نمطية) وحتى عام 2018 (سفن بحجم 22000 حاوية نمطية). ولدينا اليوم في عام 2023 سفن بحمولة 24000 حاوية نمطية قد بدأت فعلياً عملياتها البحرية، وهناك تصاميم لسفن قادرة على حمل 30000 حاوية نمطية جاهزة للبناء، وهذا يؤكد جدوى التوسع في بناء سفن اكبر لضمان كفاءه اكبر ومن ثم زياده القدرة على الاستمرار في المنافسة في سوق الشحن البحري.
تشكل أسواق إعادة الشحن
وبعد نجاح النظام المحوري غير المباشر في النقل، والتوسع في بناء السفن العملاقة، في تجاوز مشاكل نظام النقل السابق، وتحقيق مستوى عال من الكفاءه الاقتصادية والعملياتيه (والمتعلقة بكلفة نقل أقل زمن وصول مناسب وموثوقية وجودة في الخدمة) تشكلت أسواق إعادة شحن اقليمية مرتبطه بالموانئ المحورية وبعمليات إعادة الشحن. والذي مكن من تأسيس وربط سلاسل الامداد الاقليمية والعالمية وما يرتبط بها من شبكات وعمليات لوجستية ووسائط النقل التكميلية والوسيطه والمصانع والمخازن ومراكز التوزيع وخدمات القيمة المضافة وصولاً حتى المستخدم النهائي او المستهلك.
ففي منطقة الشرق الأوسط مثلاً، تكون لدينا نطاق أقليمي او سوق اعادة شحن واحد تم ربط الموانئ المحلية او الداخلية فيه سواء داخل الخليج العربي او على البحر الاحمر بثلاث او اربع موانئ محورية لتبادل الحاويات بطريقة إعادة الشحن. وكذلك الحال تقريبا في باقي المناطق الاقليمية الأخرى على طول مسار السفن الام والذي يمثل المسار البحري الرئيسي الرابط بين الشرق والغرب (اسيا – اوروبا) لأحدى شركات الشحن البحري العالمية (CMA – CGM) والذي تنطلق فيه السفن الام من موانئ الصين، فماليزيا وسنغافورة فميناء جدة السعودي، مروراً من خلال قناة السويس فميناء مالطا وانتهاءاً بموانئ غرب أوروبا. وفي هذا المسار يستغرق زمن الوصول الكلي بين 30-32 يوم، وتكون الرحلات مجدولة بشكل اسبوعي وفي ايام محددة، وهذا المسار تتطابق معه مسارات باقي الشركات مع تغيير طفيف في بعض الموانئ المحورية.
نظام النقل المتعدد الوسائط
ومن المسائل التي واكبت تطور النقل البحري التجاري الدولي، هو تطور نظام النقل المتعدد الوسائط. ففي ما مضى كان الاعتماد في النقل غالباً على واسطة نقل واحدة (unimodal) لنقل البضائع بطريقة مباشرة، ففي حالة النقل البحري مثلاً، كان عمل شركات النقل البحري يرتكز على نقل البضاعة او الحاوية من الميناء الى الميناء (port to port) باستخدام السفن، ويُترك لصاحب البضاعة مسؤولية ترتيب نقلها بطريقته الخاصه الى مخازنه.
لكن مع توسع الاعمال جغرافياً وزيادة المتطلبات الصناعية والتجارية وزيادة المنافسة بين شركات النقل تطورت عمليات النقل لتصبح أكثر تكاملاً بين وسائطها، وتشكل لدينا ما يسمى بالنقل المتعدد الوسائط (Multimodal) حيث يرتبط النقل البحري، بالنقل البري السككي او بالشاحنات، وبالنقل النهري، مما شكل شبكة متكاملة ومتجانسة تعمل بطريقه إنسيابية. وهذا ما مكن شركات النقل من تقديم خدمات النقل من الباب الى الباب (Door to Door) وهذا ما قد يعتبر من أول خدمات القيمة المضافة التي تم تقديمها في صناعة النقل الدولي، والتي ساعدت على نشوء وتطور العمليات اللوجستية وسلاسل الامداد وانتشارها في كل قارات العالم.
إمكانية تحول العراق كمنطقه ربط لمنظومة النقل الدولية بين الشرق والغرب
كثر الحديث في العراق من خلال التصريحات الاعلامية وحتى السياسية والاقتصادية ومن أطراف عديدة في السنوات التي أعقبت عام 2003، عن وجود فرص حقيقية للعراق لأن يكون همزه وصل او دولة ممر لربط حركة التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا، على افتراض ان الموقع الجغرافي للعراق يؤهله لأن يكون ممراً برياً مناسباً لشحنات آسيا نحو أوروبا، وأن هذا الممر سيوفر زمن وصول وكلفة نقل أقل مقارنة بالمسارات البحرية الدولية الرئيسية المارة من خلال قناة السويس باتجاه أوروبا. وهذا ما سيحفز شركات النقل البحري الدولي للاتجاه نحو الموانئ العراقية (ميناء الفاو الكبير تحديداً) وتفريغ حمولاتها من الحاويات فيها، ليتم بعدها نقل هذه الشحنات برياً عن طريق السكك او الشاحنات الى تركيا ومنها الى أوروبا. ويعتقد أصحاب هذا الرأي ان ذلك سيخلق موارد وعائدات مالية ضخمة للميزانية العراقية، وسيفتح المجال لخلق الالاف من فرص العمل للشباب العراقي.
ورغم ان هذا الرأي او التوجه ينسجم مع آمال وتطلعات الشعب العراقي، في تحقق هذا المشروع وحصول العراق على فرص كبيرة ومتعدده من خلاله الا ان هناك الكثير من المعوقات التي تحول دون تحقيق هذا المشروع على أرض الواقع، وبالطريقه التي يريدها أصحاب هذا الرأي، ومن أبرز هذه المعوقات:
- 1- يقع العراق جغرافيا، في شمال الخليج العربي (المغلق) وبإطلالة محدودة ومقيدة جغرافياً على مياه هذا الخليج تقع فيه الموانئ العراقية بعيداً عن مسارات النقل البحري الدولي الرئيسية الرابطة بين آسيا واوروبا. وهذا ما جعل الموانئ العراقية لأن تصنف من ضمن الموانئ المحلية الداخلية والتي يتم غالباً تغذيتها بالحاويات من خلال عمليات اعادة الشحن عن طريق أحد الموانئ المحورية المرتبطة بالمسارات العالمية (مثل مينائي جبل علي وخورفكان).
- 2- إستقرار عمل وانسيابيه وكفاءة مسارات النقل البحري بين اسيا وأوروبا، تعتمد على تطبيق نظام النقل المحوري غير المباشر، ومن خلال المرور عبر قناة السويس حصراً، وهذا ما ساعد على إنشاء وتوسيع بنية شبكة سلاسل الامداد بتفرعاتها على طول تلك المسارات البحرية الدولية، وبالتالي فإنه ليس من المجدي اقتصاديا ولا عملياتياً التلاعب بتلك المسارات وحرفها وربطها بطريقة ما بالجغرافيا العراقية.
- 3- المسارات البحرية الحالية المارة من خلال قناة السويس تقدم خدمة انسيابيه بكلفه منخفضه وبوسيله نقل رئيسية واحده (unimodal) بين موانئ آسيا وأوروبا. في حين ان النقل من خلال العراق يتطلب التحول نحو النقل متعدد الوسائط (Multimodal) وهذا يعني استخدام النقل البحري والنقل البري سواء بالسكك او الشاحنات لنقل الحاويات، وهنا سترتفع كلف النقل بشكل كبير، مما يجعل من هذه الخدمة مكلفة وغير تنافسية.
- 4- من أساسيات كفاءة سلسلة النقل ان يشكل استخدام النقل البحري بين اسيا وأوروبا ما لا يقل عن 80% من مسار الحاوية الكلي (بدءاً من عملية تحميلها من المصنع على ظهر الشاحنة للتصدير وحتى تفريغها في مخازن الاستلام)، وتشكل باقي الوسائط ما نسبته أقل من 20% الباقية لتحقيق المرحلة النهائية من تسليم الحاوية (last mile leg). وكما هو معروف، فإن كلفة النقل البحري هي الاقل بين باقي وسائط النقل، يأتي بعدها من حيث الكلفة النقل السككي فالنقل بالشاحنات، لذلك فعندما تزيد حصة النقل البري عن الحد الاقتصادي المقبول، فإن خدمة النقل تتحول الى عملية مكلفة وغير تنافسية. وفي حالة النموذج العراقي، فإن عملية نقل الحاوية من اسيا لاوروبا من خلال الممرات البرية العراقية، سيرفع كثيرا من حصه الوسائط البرية والتي قد تصل الى نسبة 45% من المسار الكلي للنقل، وهذا يعني فاتوره نقل باهضة الثمن يمكن ان تتجاوز 35% أعلى من سعر نقل نفس الحاوية بحريا وبشكل مباشر عن طريق قناة السويس نحو أوروبا.
- 5- عملية النقل البحري المباشرة نحو أوروبا تتضمن أقل عدد ممكن من عمليات المناولة (4 عمليات في المتوسط) في حين ان التحول نحو النقل متعدد الوسائط من خلال العراق سيزيد من عمليات المناولة (قد تصل الى 6 – 8 عمليات مناولة أو أكثر) وهذه كلها سترفع من كلف النقل الكلية، وتزيد الوقت المستغرق في النقل، وتعمل على رفع باقي الكلف والرسوم ذات العلاقة (التأمين مثلاً).
- 6- كمية الحاويات المتجهة من اسيا الى اوروبا ضخمة جداً في عام 2021 مثلاً تم نقل 21.2 مليون حاوية نمطية (TEU) من الصين لوحدها الى أوروبا من خلال الشحن البحري، حسب أرقام الادارة العامة للكمارك الصينية وبالتالي ليس من الصعب عملياتيا، نقل هذه الكميات الضخمة الا بواسطة الشحن البحري وباستخدام السفن الام العملاقة، لضمان افضل كفاءة ممكنه وبانسيابيه عالية.
- 7- هذه الكميات الضخمة من الحاويات يتم تجميعها من أكثر من ميناء محوري وتحميلها على ظهر السفن وبشكل يومي، وتسير هذه السفن في خط واحد على المسارات الدولية من الشرق باتجاه الغرب او بالعكس. ومن الصعب على أي ميناء وشبكات نقل برية، التعامل بكفاءة مع هذه الكميات الهائلة من الحاويات بشكل يومي، لغرض مناولتها وتحويل واسطه النقل لها من البحري الى البري، باتجاه أوروبا (هناك في المتوسط اكثر من 100 الف حاوية تنقل بشكل يومي من اسيا باتجاه أوروبا يتم تحميلها على 7-8 سفن أم عملاقة).
- 8- ولو افترضنا جدلاً، ان ميناء الفاو الكبير، سيكون بطاقات استيعابيه وبقدرات مناولة ضخمة وذات كفاءه، فإن عمليات رسو السفن وتفريغ او تحميل الحاويات وتكدسها فيه وغيرها من عمليات، ستسبب تعطيلاً لا يمكن تجاوزه على جدول الرحلات. ناهيك عن الاسباب الأخرى التي قد تزيد من فتره التأخير او انتظار السفن، وهذا الوضع سيسبب لا محالة حالة اختناق في سلسلة النقل او ما يعرف بتأثير عنق الزجاجة (Bottleneck effect) وهذا يعني تأخيراً وتعطلاً في انسيابية حركة الحاويات وارباكاً في باقي العمليات اللوجستية لسلاسل الامداد، وبالتالي سيؤدي ذلك لخسائر كبيرة لشركات الشحن البحري وسلاسل الامداد والتجار وباقي الاطراف ذات العلاقة.
- 9- السفن الام ذات كلف تشغيل عالية، تتراوح كمتوسط بين 130 – 180 الف دولار يومياً، ودخولها لداخل الخليج وربطها مع الموانئ العراقية وعودتها سيسبب زيادة كبيرة في الكلف التشغيلية الكلية للرحلة، وهذا سينعكس على سعر بيع الخدمة (freight rate) ويجعل منها خدمة غير تنافسية مقارنة مع الرحلات المباشرة عن طريق قناة السويس.
- 10- خروج السفن الام من مساراتها البحرية الدولية ودخولها الى داخل الخليج وصولاً للموانئ العراقية، سيستغرق زمناً لا يقل عن ستة ايام وهذا سيسبب تأخيراً وزياده في زمن الوصول لباقي الموانئ في المناطق الأخرى، وارتفاعاً في الكلف التشغيلية، وبالتالي سيؤدي كذلك الى ارتفاع في أسعار الشحن البحري.
- 11- السفن الام عندما ترسو في الموانئ المحورية فإنها تقوم بأكبر قدر ممكن من عمليات تفريغ وتحميل للحاويات لغرض نقلها الى موانئ محورية اخرى لزيادة قيمة (المقياس او النطاق الاقتصادي) لكل حاويه. لكن في حالة العراق، فإنه لا يمكن ضمان توفر بضائع او حاويات كافية لغرض تحميلها للتصدير من العراق (بعد تفريغ الحاويات المخصصة للنقل براً بأتجاه أوروبا) وهذا سيحرم شركة النقل البحري من فرصتين، الأولى هي فرصة ابقاء الحاويات الاوروبية ونقلها مباشرة الى أوروبا والحصول على سعر شحن أعلى، والفرصة الثانيه هي في الحصول على حمولات تعويضية من الحاويات بدلاً من الحاويات التي تم تفريغها، وهذا سيؤدي ايضاً الى خسارة مالية للشركة.
- 12- هناك مسؤولية قانونية واقتصادية وأمنية تتحملها الدولة التي تقدم خدمة عبور للشحنات الدولية، ولتأمين ذلك تحتاج هذه الدولة لتوجيه الكثير من مواردها المالية والبشرية والامنية والخدمية، لضمان سلامة وانسيابيه حركة البضائع. وكلما زادت كميات البضائع العابرة كلما زادت المتطلبات من الدولة، وهذا ما سيحمل الحكومة او الجهات المسؤولة أعباءاً وكلفاً قد لا تغطيها تعرفة المرور التي تستحصلها الدولة.
- 13- شركات النقل البحري هي شركات ذات ملكية خاصة او مشتركة، هدفها تحقيق أعلى مستوى من الربحية والتوسع وزياده حصصها السوقية، وتلتزم بل وتتشدد في تطبيق خطط العمل الرشيقة (Lean business models) والتي تركز بشكل رئيسي على تقليل الكلف والتخلص من العمليات الزائدة كتحويل مسارات السفن بإتجاهات غير إقتصاديه. لذلك فقرارات هذه الشركات لا تخضع لتأثير حكومات او دول لغرض تقديم خدمات نقل لا تعتبرها تلك الشركات ذات جدوى اقتصاديه، ولا يعني دخول العراق او غيره من دول في اتفاقيات استراتيجية (كاتفاقية مبادرة الحزام والطريق الصينية مثلاً) ان شركات النقل هذه ستستجيب او ستكيف من عملياتها البحرية تبعاً لمتطلبات تلك الاتفاقيات، طالما ان ذلك لا يحقق الهدف الاقتصادي المطلوب بالنسبة لتلك الشركات.
- 14- وحتى لو تمكن العراق من الاتفاق مع بعض شركات النقل البحري الدولية للتحول نحو تفريغ الحاويات الاوروبية من خلال الموانئ العراقية، فإن ذلك لا يمكن اقتصادياً ان يستمر طويلاً بسبب الكلف والخسارات التي ستتكبدها تلك الشركات مما سيدفعها في نهاية المطاف للعودة للمسارات البحرية المعتادة.
- 15- تستخدم الصين الممرات البرية (طرق الحزام البري) لنقل بعض أصناف البضائع التي تتطلب وصولاً سريعاً نحو أوروبا، ولا تحتاج للتحميل بحراً ثم تفريغ هذه الشحنات في العراق ليتم نقلها براً نحو أوروبا، فهذه العملية ستزيد من زمن الوصول وترفع الكلف الكلية للنقل.
- 16- التقلبات والمشاكل السياسية او الاقتصادية او الامنية بين الدول وداخلها قد تؤدي الى إغلاق للحدود وقطع ممرات النقل البري وبالتالي ستتسبب بخسارات كبيرة لشركات النقل وللزبائن. وهذا ما يجعل من مسارات النقل البرية الطويلة العابرة للدول ذات مستوى موثوقية أقل من النقل البحري الذي يعتمد على الابحار في المياه الدولية دون مؤثرات تذكر.
- 17- الزبون او مشتري الخدمة هو صحاب القرار في تحديد خدمة النقل التي يريد، وعند مقارنة هذا الزبون للخدمة المباشرة بحراً ذات السعر الاقل والموثوقية العالية وزمن الوصول المناسب، مع الخدمة الأخرى من خلال العراق والتي تشمل نقلاً غير مباشر وبكلف أعلى وما يرافقها من عمليات تفريغ وتحميل ومرور بري بعدة دول، قد تزيد من احتمالية تلف او ضياع بضاعته، فأنه في نهاية المطاف سيختار المسار الأول. وبالتالي فإن شركات النقل البحري لن يكون لديها أدوات تسويقية مناسبة لبيع خدمة النقل المارة من خلال العراق.
لذلك ومما تقدم نستطيع أن نصل الى نتيجه، أن العراق بموقعه الجغرافي الحالي لا يستطيع أن يلعب دور الممر البديل للمسارات الدولية الرئيسية، وبالتالي يجب الاتجاه نحو التفكير ببدائل ذات جدوى، قد تمكن العراق للعب دوراً حقيقياً في صناعة النقل الاقليمي والدولي.
نموذج النقل الأمثل للعراق
إن إنشاء العراق لميناء حديث وبطاقات استيعابية كبيرة، كميناء الفاو الكبير، يعد ضروره استراتيجية للعراق، حيث ان ذلك سيرفع من طاقاته الاستيرادية والتصديرية وسيكون مفصل محوري في منظومة التنمية وتطوير المشاريع الانتاجية بكافة أصنافها في العراق، ويمكن لهذا الميناء ان يكون بوابة لتصدير المنتجات العراقية للخارج. وبطبيعه الحال، فإن هذا الميناء الحديث يتطلب إنشاء شبكة واسعة من قنوات النقل البرية الحديثة والمرتبطة بمشئأته، سواء طرق وجسور وانفاق أو شبكة سكك للنقل التجاري تتناسب مع حجم عمليات الميناء وبطاقات تصميمية قابلة للزياده لضمان أفضل كفاءة ممكنة لعمليات نقل البضائع.
ومن الجدير بالذكر، أن تمكن العراق من إنشاء مثل هذه المنظومة الحديثة للنقل وما يرتبط منها من صناعات، ستؤهله لان يكون لاعباً إقتصادياً اقليمياً في قطاع الصناعة والنقل، فالى جانب ارتفاع قدرات العراق الانتاجية والتصديرية والانفتاح على اسواق اقليمية ودولية، فإنه سيكون من الممكن إستثمار هذه المنظومة كبوابة للدخول في شراكات اقتصادية اقليمية مع دول جوار العراق. تتعلق بإنشاء شبكة نقل إقليمية (متعددة الوسائط) تكون فيها الشبكة العراقية حلقة الوصل الرئيسية بين هذه الدول، لربط حركة التجارة البينية او جزء مهم منها وهذا ما قد يحقق عوائد مالية مجزية (تعرفة العبور) ومع مرور الوقت ونجاح هذه الشبكة عملياتياً واقتصادياً، فإن هذه الميزه ستصبح مصدر قوة للعراق ترفع من مكانته الاقتصادية وحتى السياسية بين دول المنطقة.
بالاضافه الى ذلك، فإن ميناء الفاو الكبير وشبكة النقل البري العراقية المرتبطة مع الدول المجاورة، قد تساعد في جذب (جزء من) حركة نقل البضائع، والمتجهة من شبه القارة الهندية ودول الخليج نحو دول أوروبا. وكما هو معروف في قطاع النقل، فإن هناك الكثير من أنواع السلع والبضائع ذات حساسية عالية للوقت (Time sensitive) بمعنى ان هناك حاجه ملحة لنقل مثل هذه البضائع باسرع وسيله ممكنة الى الدول المستورده، لاسباب منها تتعلق بسرعة التلف، طلب طارئ في بلد الاستيراد، او شحنات خاصة ترتبط بحدث او موسم معين. ومن هذه البضائع على سبيل المثال، المنتجات الزراعية، منتجات الالبان، الأدوية، بعض الاجهزه والمعدات التخصصية، الشحنات المتعلقة بالدفاع والتسليح وغيرها. ففي مثل هذا النوع من الشحنات لا يكون سعر النقل ذو أولويه كبيرة، طالما ان عامل زمن الوصول هو الاهم، لذلك فإنه من الممكن أن تكون الممرات البرية العراقية جاذبة لهذه الشحنات، لميزتها في تقديم أقصر الطرق البرية وأسرعها باتجاه أوروبا. وهذا الباب قد يحقق إيرادات عبور مجزية للاقتصاد العراقي على شرط ان تكون هناك دراسات جدوى فنية مالية تسويقية تشير الى جدوى هذا المشروع وإمكانية نجاحه في إختراق الأسواق الخارجية وجذب الزبائن، مع توفر ضمانات ان العمل سيكون في ظل بيئة سياسية وأمنية واقتصادية مستقرة وذات أمان مستدام.
المصادر
- https://transportgeography.org/contents/chapter2/geography-of-transportation-networks/point-to-point-versus-hub-and-spoke-network/
- https://unctad.org/system/files/official-document/dtl2018d1_en.pdf
- https://transportgeography.org/contents/chapter5/intermodal-transportation-containerization/containerization-four-revolutions/
- https://www.isesassociation.com/50-years-of-container-ship-growth/
- https://transportgeography.org/contents/chapter5/intermodal-transportation-containerization/container-ship-scale-economies-diseconomies/
- https://www.researchgate.net/figure/Specific-route-of-China-to-Northern-Europe_fig3_338157929
- https://www.porteconomics.eu/transshipment-hubs-connecting-global-and-regional-maritime-shipping-networks/
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة الى المصدر. 8 آيار 2023

زياد الهاشمي
زياد الهاشمي اقتصادي عراقي متخصص في قطاع النقل التجاري وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية. يهتم بشكل رئيسي بدراسة وتحليل منظومة النقل البحري الدولي، وتطور مسارات النقل العالمية وحركة البضائع بين آسيا وأوروبا.
يقدم الهاشمي إسهامات بحثية مهمة تسلط الضوء على المشاريع الاستراتيجية واللوجستية في المنطقة، ويحلل بموضوعية الخيارات المتاحة أمام العراق (مثل ميناء الفاو الكبير ومشاريع الربط البري) ليكون جزءاً حيوياً من منظومة النقل العالمية. وتستند تحليلاته إلى محددات الكفاءة الاقتصادية، وتكاليف النقل متعدد الوسائط، والنطاق الاقتصادي الملاحي.



No Comment! Be the first one.