الكهرباء في العراق: استراتيجية الإصلاح وتحديات الاستدامة
تحليل لاستراتيجية إصلاح قطاع الكهرباء في العراق، وخارطة الطريق لمعالجة الهدر المالي والتقني.
تعد معضلة الكهرباء المزمنة في العراق مصدراً يومياً للمعاناة الشعبية؛ إذ إن كفاح منظومتي التوليد والتوزيع لمواكبة الطلب المتزايد المدفوع بتقديم الخدمة شبه مجانية بات يهدد بانهيار القطاع، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات قياسية تتجاوز 50 درجة مئوية. وإن هذه الأزمة مرشحة للتفاقم ما لم تُنفذ إصلاحات جذرية.
ورغم تعدد وتعقد المشكلات التي تواجه هذا القطاع الحيوي، إلا أنها قابلة للحل. فخلال فترة تسنمي لمهام وزارة الكهرباء (أكتوبر 2018 – أبريل 2020)، تمكنا من وضع خطط لضمان استدامة القطاع وعكس مسار التراجع الذي كان يشهده.
إن القراءة في معطيات الماضي تنبئ بما سيؤول إليه المستقبل في حال غياب الإصلاح؛ إذ شهدت جميع الحكومات منذ عام 2003 احتجاجات واسعة ضد نقص الخدمات، وبات حرق صور السياسيين طقساً صيفياً يعبر عن الغضب الشعبي. لقد ظل قطاع الطاقة، المنهك بعقود من الحروب والعقوبات والإرهاب والفساد وسوء الإدارة، كابوساً يؤرق كافة الحكومات رغم إنفاق مليارات الدولارات عليه. ومع ذلك، وبخلاف التوقعات، استطاع فريقي الوزاري تحقيق تقدم ملموس في ملفات كانت مهملة ومستعصية منذ حرب الخليج عام 1991.
التسريع التنفيذي للمشاريع الميدانية
اعتمدت استراتيجيتنا على حصر كافة المشاريع المتوقفة في قطاعات التوليد والنقل والتوزيع، ووضع جدول زمني لإنجازها ضمن برنامج “المسار السريع” (Fast-track)، وذلك رغم تأخر إطلاق موازنة 2019 حتى نهاية أبريل من ذلك العام.
ركزنا على تعزيز التآزر بين القطاعين العام والخاص، وقمنا بتبسيط المتطلبات التعاقدية لتسهيل اللوجستيات التنفيذية التي كانت تشكل تحدياً تاريخياً بدعم كامل من قرارات مجلس الوزراء، مع تفويض الصلاحيات للمديرين العامين في الشركات الإقليمية للتركيز على الملفات الحرجة مثل جداول الصيانة الصيفية.
وعلى عكس توقعات المراقبين والسياسيين الذين تنبأوا بصيف مضطرب في 2019، شهد ذلك العام زيادة بنسبة 20% في الإنتاج والخدمات مقارنة بالأرقام القياسية السابقة. كما وصلت الكهرباء للمناطق المحررة من “داعش” لأول مرة بعد انقطاع دام خمس سنوات، وشهدت محافظة البصرة، المركز الاقتصادي للعراق، استقراراً في التجهيز على مدار الساعة لأول مرة منذ عقود.
وفي يوليو 2019، وقعنا في البصرة عقوداً مع شركة “سيمنس” لتطوير شبكات النقل في المحافظات الجنوبية، وتابعنا ميدانياً تقدم العمل في محطات “جنرال إلكتريك” الجديدة والمشاريع الأخرى في ذي قار والمثنى وميسان. وكانت الرسالة الموجهة للمشككين حينها واضحة: التحسن الكبير يمكن تحقيقه في غضون شهور لا سنوات.
إصلاح السياسات العامة
بالتوازي مع الإنجاز الميداني، تطلب القطاع رؤية إصلاحية شاملة. لذا قمنا بصياغة سياسة إصلاحية بالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية والبنك الدولي، ركزت على إصلاح “التعرفة” والهيكل المؤسسي لضمان استدامة القطاع وتحويله من عبء إلى مورد للخزينة الاتحادية. تهدف هذه المبادرة إلى تحويل الشركات الحكومية نحو معايير “التحويل الشركاتي” (Corporatization) وجعل قطاع الطاقة صناعة رابحة تساهم في تنويع الاقتصاد الوطني بعيداً عن الدعم الحكومي.
كما وضعنا خارطة طريق وطنية لإعادة تأهيل القطاع من خلال خلق توازن بين الشركات العالمية الكبرى ضمن بيئة تنافسية عادلة، واتخذنا قرارات استراتيجية للموازنة بين الاحتياجات العاجلة والأهداف الطموحة لعام 2030 لتحقيق الاستقلال الطاقي.
تضمن برنامجنا الحكومي (لمدة 4 سنوات) إدارة “مزيج الوقود” عبر التركيز على استغلال الغاز المصاحب لإنتاج الطاقة ووقف الحرق تماماً، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، فضلاً عن استهداف إنتاج 30% من الطاقة من المصادر المتجددة بحلول 2030. وضمن هذا السياق:
- وقعنا اتفاقاً استراتيجياً مع “سيمنس” لتطوير سلسلة القيمة (التوليد، النقل، والشبكات الذكية).
- منحنا عقداً لشركة “جنرال إلكتريك” لإعادة بناء الشبكات في المناطق المحررة.
- أنجزنا عقداً مع شركة “CMEC” الصينية لاستكمال محطة سامراء الحرارية في صلاح الدين.
- أتممنا التزامن مع الشبكة الإيرانية، ووقعنا اتفاقية الربط مع هيئة الربط الخليجي عبر الكويت، بالإضافة إلى تفاهمات مع الأردن والسعودية لتحويل العراق إلى مركز إقليمي للطاقة.
وفي مجال الطاقة المتجددة، عملت الوزارة مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC) للتحضير لأول جولة تراخيص من نوعها في العراق لإضافة 1000 ميغاواط سنوياً عبر القطاع الخاص، بالإضافة إلى مبادرات “القياس الصافي” (Net Metering) للمنازل لتقليل الضغط على الشبكة الوطنية.
ورغم هذه الجهود، تسبب الحراك الاحتجاجي في أكتوبر 2019 وما تلاه من انسداد سياسي في تجميد كافة المشاريع، حيث تحولت الحكومة إلى “تصريف أعمال” بصلاحيات محدودة، مما حال دون إقرار موازنة 2020 وعرقل برامج الصيانة والاتفاقيات الموقعة.
تحديات الحكومة الحالية
تواجه أي حكومة جديدة تحدي التعامل مع قطاع بدأ بالتعافي ثم تعثر مجدداً. ومع التحديات المالية العالمية الناجمة عن جائحة كورونا، يظل المسار الأمثل هو البناء على نجاحات 2019 وتأمين التمويل لإكمال المشاريع في مواعيدها.
يجب على الحكومة معالجة “كعب أخيل” القطاع: فبدون إصلاح شامل للتعرفة، وفرض جباية حازمة بسلطة القانون، وإنهاء التجاوزات على الشبكة، ستظل الحلول الفنية عقيمة، ولن تؤدي إلا لتأجيل الانهيار الحتمي للشبكة الوطنية.
إن إصلاح الكهرباء يتلخص في استراتيجية قابلة للتطبيق: “عندما يكون السعر صفراً، يصبح الطلب لانهائياً”. لا يمكن السيطرة على الطلب دون إعادة هيكلة فورية. فالدعم الحالي يكلف الدولة أكثر من 12 مليار دولار سنوياً، بينما تتسبب التجاوزات والضياعات (الفنية والتجارية والإدارية) بهدر 55% من الطاقة المنتجة. إن رفع الدعم لم يعد خياراً، بل ضرورة لاستدامة الشبكة.
ختاماً، إن إصلاح قطاع الكهرباء ليس مهمة وزارة واحدة، بل يتطلب قراراً وطنياً من مجلس الوزراء مدعوماً سياسياً وشعبياً. إصلاح الطاقة هو جوهر الإصلاح الاقتصادي والاستقرار المالي، وهو مسار تراكمي يمتد لسنوات ويتجاوز عمر الحكومات المنفردة. إن أي انقطاع في هذا المسار سيكون كارثياً وسيقود العراق نحو آفاق مظلمة—بكل ما للكلمة من معنى.

د. لؤي الخطيب
وزير الكهرباء الأسبق وعضو المجلس الاتحادي للطاقة في جمهورية العراق. شغل سابقاً منصب المدير المؤسس لمعهد طاقة العراق، وزميل في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا (SIPA)، وزميل سابق في برنامج السياسة الخارجية بمؤسسة بروكينغز.



No Comment! Be the first one.