طريق التنمية العراقي: من مسار معبد بالتحديات الى نموذج اقتصادي تكاملي مستدام
على مدى السنوات الماضية، سعى العراق إلى تعزيز تنوع اقتصاده وتقليل الاعتماد الكبير على عائدات النفط والتخلص تدريجياً من حالة الريعية العالية، عبر إطلاق مبادرات تنموية واقتصادية مرتبطة بعدة...
من أبرز هذه المبادرات، مشروع “طريق التنمية” الذي أعلنت عنه الحكومة العراقية في مايو/ مايس 2023، والذي تصنفه الحكومة العراقية مشروع استراتيجي واعد سيشكل إضافة نوعية في قطاع النقل الإقليمي والدولي، وقد لفت مشروع “طريق التنمية” في البداية أنظار بعض الدول والشركات لما قد يحمله من فرص اقتصادية واعدة سواء للمستثمرين الدوليين أو حتى للعراق، البلد الذي عانى طويلًا من العزلة والصراعات الداخلية والإقليمية. ووفقاً للرؤية الرسمية العراقية، فأن هذا المشروع يهدف الى تحويل العراق الى همزة وصل مركزية لربط حركة تجارة الشرق والغرب باستخدام شبكة نقل متعددة الوسائط تربط النقل البحري بالموانئ العراقية وبخطوط السكك الحديدية والطرق السريعة داخل الجغرافيا العراقية وما بعدها.
ووفق المخططات التي كشفت عنها الحكومة العراقية، فإن “طريق التنمية” يتألف من ممرين بريين، أحدهما مخصص للنقل بالشاحنات والآخر خط سكك حديدية للنقل بالقاطرات، ويبدأ هذا الطريق من ميناء الفاو أقصى جنوب العراق، مروراً بعشرة محافظات عراقية، وصولًا إلى الحدود التركية، قاطعاً مسافة تقدر بحوالي 1200 كيلومتر، وعند الحدود التركية، سيتصل الطريق بشبكة النقل التركية التي توفر وصولًا مباشراً إلى أوروبا. وبحسب بعض التقارير، فإن الجهات الرسمية في العراق تعتقد ان مسارات هذا المشروع يمكنها نظرياً تقليص زمن رحلة النقل التجاري بين آسيا وأوروبا إلى 15 يوماً، مع خفض تكاليف النقل بنسبة تصل إلى .%30 كما يُتوقع أن يتم إنشاء مدن صناعية على طول مسار “طريق التنمية” خلال مراحل لاحقة، مما سيساهم في رفد السوق العراقية بمنتجات متنوعة ودعم للاقتصاد الوطني بموارد مالية وتوفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب العراقي. وقد بذلت الحكومة العراقية جهودًا كبيرة على المستويين الإقليمي والدولي للترويج لمشروع “طريق التنمية”، بهدف جذب الدول والشركات إلى شراكات استثمارية تسهم في تمويل وإطلاق هذا المشروع الطموح للنقل التجاري، حيث تُقدر تكلفة المرحلة الأولى له بحوالي 17 مليار دولار، وقد أثمرت هذه الجهود عن توقيع مذكرات تفاهم مع تركيا وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، مما يشير إلى وجود رغبة مشتركة في تعزيز التعاون بين تلك الدول في قطاع النقل التجاري، فضلًا عن استكشاف فرص الاستثمار في المشروع.
حيث ترى تلك الدول، ان مسارات طريق التنمية ستوفر فرصة كبيرة لرفع مستوى التبادل التجاري بين تركيا وجيرانها من جهة وبين دول الخليج العربي من جهة أخرى، على اعتبار ان هذا المسار يمثل طريقاً مختصراً بين الطرفين يساعد في تحقيق وصولًا سريعاً للبضائع والسلع وبكلف نقل معقولة.
ورغم ان مسار طريق التنمية يمكن ان يكون مجدياً فعلًا لتلك الدول في عمليات التبادل التجاري فيما بينها، الا ان حجم التبادل التجاري بين دول الخليج وتركيا وحتى دول شرق أوروبا، لن يكون كافياً لوحده في تغطية الكلف التشغيلية العالية لمسار طريق التنمية السككي، والذي يتطلب تدفقات ضخمة ومستمرة من الحاويات في كلا الاتجاهين لتحقيق مستوى تشغيلي كبير يغطي الكلف الكلية ويحقق هامش ربحي مناسب، وهذا قد يفسر تردد الكثير من الأطراف في الدخول في شراكات استثمارية مع العراق لتمويل مراحل مشروع طريق التنمية، نظراً لوجود شكوك في تنافسيته وجدواه اقتصادياً وتجارياً، وبسبب علامات الاستفهام على طريقة الحكومة العراقية في إدارة ملف مشروع طريق التنمية ومنها تكليف شركة إيطالية مغمورة وغير متخصصة في قطاع النقل الدولي بدراسة جدوى هذا المشروع الاستراتيجي والحيوي، مما دفع الكثير من الدول ولأطراف الى التريث في
الاقدام على الاستثمار وتمويل هذا المشروع، وانتظار قرار الحكومة العراقية في طريقة تعاملها مع التحديات التي تواجه المشروع. هذه التحديات يمكن وضعها تحت ثلاث عناوين رئيسية، الموقع الجغرافي، محددات وضوابط منظومة النقل الدولي والكلفة الجيوسياسية.
- الموقع الجغرافي للعراق
من الناحية النظرية، وبناءً على شكل الخرائط ، يمكن اعتبار أن العراق يملك ميزة جغرافية تساعده في تقليص مسافات النقل التجاري بين آسيا وأوروبا، استناداً على أن العراق يتمتع بموقع استراتيجي مركزي يقع بين القارات مما قد يجعل منه نقطة جذب محورية لربط حركة التجارة الآسيوية المتجهة إلى أوروبا والعكس وحسب مسارات وطرق النقل والتجارة القديمة، لكن في المقابل نجد ان العراق يقع في موقع جغرافي يضعه في شمال خليج شبه مغلق، وله منفذ بحري ضيق على المياه الدولية، وبعيد عن المسارات البحرية الرئيسية لنظام النقل الدولي الحديث، مما يؤدي إلى تصنيف موانئه كموانئ ثانوية داخلية. هذا الموقع ذو الاطلالة البحرية المحدودة وشبه المعزولة، يحدّ بشكل كبير من قدرة السفن الكبيرة العملاقة التي تسير على المسارات البحرية الرئيسية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس من الوصول إلى الموانئ في العراق، والاكتفاء بخدمة الموانئ في أسفل الخليج العربي، ذات المواقع الاستراتيجية القريبة من المسارات البحرية الدولية ) كمينائي جبل علي وخورفكان في الإمارات العربية المتحدة(، مما يجعلها موانئ محورية تتجه لها السفن الأم لتفريغ وتحميل الحاويات، وتعتمد عليها الموانئ العراقية وغيرها من موانئ فرعية داخل الخليج في استلام حصصها من الحاويات القادمة من آسيا أو أوروبا. أما على المستوى البري، فيقع العراق بعيداً أيضاً عن المسارات السككية التي تنطلق من المدن الصناعية الصينية عبر آسيا الوسطى باتجاه مراكز الاستهلاك في أوروبا، والتي تُعرف بالجسر الأوروآسيوي. هذه المسارات تُستخدم من قبل الصين لنقل المنتجات ذات القيمة العالية التي تحتاج إلى وصول سريع للأسواق الأوروبية، مما يجعل أي انحراف في هذا المسار او المسار البحري وتحويلها نحو العراق سبباً في تأخير كبير للرحلة وارتفاع لكلف النقل، لذلك يعد العامل الجغرافي أحد أصعب التحديات التي سيواجهها العراق في مسألة الترويج لطريق التنمية وأهميته بالنسبة لمسار النقل بين آسيا وأوروبا.

شكل (1) مسارات النقل البحرية الرئيسية ومسارات السكك الصينية نحو أوروبا، ويلاحظ بعد العراق جغرافياً عن كلا المسارين.
- ضوابط ومحددات منظومة النقل الدولي
من جهة أخرى )وعلى افتراض إمكانية دخول السفن الأم للخليج ووصولها الى الموانئ العراقية( فإن مسارات طريق التنمية المقترحة الرابطة بين آسيا وأوروبا لا تقدم الا نقلًا متعدد الوسائط والذي يمزج بين النقل البحري والبري، وفيه ترتفع الكلف وفرص وجود معرقلات مع ازدياد طول مسار الرحلة البرية وحصول عملية انتقال من واسطة نقل الى أخرى ورفع الكلف على الزبائن عند استخدام هذه المسارات باتجاه أوروبا، مقارنة بالنقل البحري المباشر وبوسيلة نقل واحدة تعتبر الأرخص عالمياً، والتي تقدم طاقات تحميل هائلة )على العكس من النقل السككي ذو طاقات التحميل المحدودة(، حيث تستوعب السفن الكبيرة ما بين 18 إلى 24 ألف حاوية، لذلك يعتبر النقل البحري العمود الفقري للتجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، حيث يستحوذ على أكثر من %85 من حجم التجارة العالمية بتكاليف أقل تتراوح بين %30 و%60 مقارنة بالنقل البري بأنواعه.
وبسبب طول المسار البري العابر لحدود دول عديدة، فمن المتوقع ان تفرض شركات التأمين رسومًا مرتفعة على كل حاوية تمر عبر العراق، أو قد ترفض تمامًا تغطية الحاويات بأي بوليصة تأمين خلال رحلتها البرية داخل العراق، مما سيُصعب أو يمنع توجيه الشحنات من آسيا عبر المسار البري العراقي باتجاه أوروبا. وبما يتعلق بالانسيابية، فإن الانتقال من النقل البحري إلى النقل البري يخلق عادة ما يعرف بـ”تأثير عنق الزجاجة”، حيث تتعطل حركة الحاويات بسبب ازدحام السفن المتوقع في ميناء الفاو وانتظارها لفترات طويلة )نتيجة ضخامة كمية الحاويات المطلوب تفريغها وتحميلها ومحدودية قدرة الموانئ(، إضافة الى أسباب التأخير الأخرى بدءاً من عمليات المناولة وتكدس الحاويات في أرصفة الميناء وإعادة التحميل مرة أخرى على القطارات أو الشاحنات ومرور تلك الحاويات عبر نقاط حدودية في رحلة برية طويلة نحو أوروبا تتطلب قطع مسافة تصل إلى 5 آلاف كيلومتر أو أكثر، وقد تتعرض لتأخير او توقفات وانتظار إضافي نتيجة عمليات تفتيش أو اضطرابات أو مشاكل تقنية في الدول التي تمر من خلالها مسارات طريق التنمية أو غير ذلك من عقبات، وكل ذلك سيرفع الكلفة ويزيد من زمن وصول البضائع. في المقابل، فإن نفس الحاويات يمكن نقلها عبر النقل البحري المباشر وبانسيابية عالية، إذ تبحر السفن من موانئ آسيا عبر المياه والمحيطات الدولية المفتوحة وبشكل مباشر نحو الموانئ الأوروبية، دون مواجهة العقبات والعراقيل التي يواجهها النقل البري عبر العراق.
انسيابية النقل عبر البحر والموثوقية العالية لمسارات السفن، سمحت لشركات الشحن البحري بوضع جداول دقيقة لرحلات السفن عبر موانئ العالم مما فتح المجال لسلاسل الامداد والمصانع وشركات اللوجستيات والمستلمين النهائيين لتخطيط وتصميم عملياتهم بدقة، والمتعلقة بالتصنيع وإضافة القيمة والخزن والتجهيز وتحقيق مستوى عال من الكفاءة والجودة، وبالاعتماد أيضاً على النقل البري للنقل القصير والمتوسط المسافة لتقديم خدمات من الباب الى الباب إضافة الى ذلك فإن النقل البحري يوفر قدرة عملياتية كفوءة لإدارة حركة دوران الحاويات بين القارات وتخطيط مسار ذهاب الحاويات المملوءة ومسار عودتها فارغة، والتي من الصعب جداً إداراتها وتوزيع كلف نقلها بواسطة النقل البري، مما يعني ان إضافة مسارات طريق التنمية في المسار الكلي بين آسيا وأوروبا، سيتسبب بخلل في عملية إدارة الحاويات وسيؤدي الى تكدس ضخم للحاويات في مناطق وشحة شديدة في مناطق أخرى، وهذه تمثل انتكاسة كبيرة في عمل منظومة النقل الدولي.
ومن المسائل المهمة الأخرى والتي تجدر الإشارة إليها، هي ان اختيار شركة النقل لمسارات ووسائط النقل البحرية والاستثمار فيها لم يأتي اجتهاداً من إدارتها وإنما جاء اعتماداً على تفضيلات الزبائن والشركات في مراكز الاستهلاك في أوروبا، والتي أظهرت المسوحات الميدانية ان الزبون الأوروبي يفضل لنقل بضاعته من آسيا، وسيلة النقل ذات الموثوقية العالية ثم الأرخص سعراً ثم التي توفر طاقات تحميلية جاهزة، وهذه التفضيلات تصب كلها في صالح النقل البحري الدولي، وبالتالي فإن عرض خدمات نقل بري طويل عبر طريق التنمية يسبقه نقلًا بحرياً طويلًا أيضاً، لن يتمكن من جذب حصص سوقية كافية، بسبب عدم انسجام خدمات النقل عبر طريق التنمية مع متطلبات وتفضيلات
الزبائن الأوروبيين، وهذا يعد عائقاً كبيراً أمام مسارات طريق التنمية.

تفضيلات الزبائن الأوروبيين بما يتعلق باختيار واسطة او مسار النقل من اسيا
- الكلفة الجيوسياسية
أما من الناحية الأمنية والجيوسياسية، فإن طريق التنمية، والذي يمتد عبر مسارات برية طويلة تمر بعدة دول وصولًا نحو أوروبا، يحمل تكاليف جيوسياسية كبيرة يجب على العراق تحملها، منها كلفة تحمل مسؤولية حماية البضائع الدولية المارة عبر البر العراقي وحتى عبورها من نقاطه الحدودية، وضمان سلامة خطوط ومسارات طريق التنمية سواء السكك أو الطريق السريع، إضافة لذلك، ولكي يضمن العراق استمرارية تدفق البضائع عبر المسارات البرية للدول الأخرى وصولًا نحو أوروبا، يتطلب أن يحافظ العراق على أحسن العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع دول المرور، وإبداء مرونة عالية لضمان استمرار استقرار العلاقات مع تلك الدول والعمل على تجنب أي مؤثرات قد توتر هذه العلاقات وتؤثر سلباً على استمرارية وانسيابية حركة التجارة عبر مسار طريق التنمية. هذه الكلفة الجيوسياسية ستكون مطلوبة دائماً من العراق كشرط لاستمرار تدفقات الحاويات والبضائع على مسارات طريق التنمية من والى أوروبا.
هذه الكلفة المركبة من غير المعلوم كم ستستنزف من موارد العراق، سواء السياسية أو المالية أو الاقتصادية أو حتى الأمنية، خصوصاً انه لا توجد ضمانات تؤكد قدرة العراق على الاستمرار في تحمل هذه الأعباء لمديات طويلة، وبطبيعة الحال، فأن زبائن مسارات طريق التنمية سيتحملون أيضاً جزءاً مهماً من هذه الكلفة، مما سيرفع أسعار خدمات النقل عبر طريق التنمية وسيقلل أيضاً من تنافسيتها وجاذبيتها في سوق النقل الدولي. تجدر الإشارة هنا إلى التجربة الصينية في هذا المجال، حيث تحملت الصين تكاليف جيوسياسية كبيرة لإنشاء، تشغيل، وإدارة ممراتها البرية التي تربطها بأوروبا عبر خطوط السكك الحديدية. هذه التكاليف لم تقتصر على الجانب المالي فقط )والذي بلغ متوسط تكلفة كل الكيلومتر الواحد بين 17 و21 مليون دولار(، بل شملت أيضاً الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول التي تمر عبرها هذه المسارات، مثل دول آسيا الوسطى، القوقاز، إيران، تركيا، وروسيا، كما واضطرت الصين في بعض الأحيان للمساعدة في تمويل مشاريع تنموية وتطوير بنى تحتية في بعض دول المرور )ضمن مبادرتها الشهيرة للحزام والطريق(، لذلك يمكن اعتبار مسارات الصين السككية نحو أوروبا واحدة من أكثر مسارات النقل المكلفة جيوسياسياً.
- النموذج الأمثل لطريق التنمية
وللتعامل مع هذه التحديات ووضع هذا المشروع على السكة الصحيحة، فإنه من الضروري البدء بإعادة النظر في نموذج المشروع وإعادة دراسة جدواه اقتصاديا وتجارياً وصياغة نموذج تكاملي يمزج بين النقل والتنمية ويتفاعل مع ديناميكيات الأسواق والتجارة الدولية، يكون فيه التركيز وبشكل رئيسي على المدن الصناعية والمراكز اللوجستية والخدمية المرتبطة بميناء الفاو ومسارات التنمية، ووضع الخطط لتشجيع الاستثمارات في هذه المدن والقيام بشراكات مع سلاسل إمداد دولية بهدف جذب كل أو جزء من عملياتها وتوطينها في تلك المدن الصناعية واللوجستية، وإطلاق عمليات التصنيع وإضافة القيمة والتصدير أو اعاده التصدير نحو أسواق خارجية إنطلاقاً من الجغرافيا العراقية. هذه الخطوة ستؤدي الى خلق أهمية وحاجة كبيرة للمسارات البرية والميناء لربط مراكز التصنيع واللوجستيات العراقية مع سلاسل الإمداد والتصنيع بين اسيا وأوروبا والأمريكتين، مما سيشجع المستثمرين للدخول لتمويل إنشاء مسارات الطريق والذي سيكون حينها مرتبط بشكل واضح بمراكز التصنيع واللوجستيات آنفة الذكر ويمكن ان يكون بذاته مشروعاً مولداً للعوائد والأرباح، وخصوصاً مع انطلاق عجلة الإنتاج الوطني وبدء الصادرات للمنتجات المصنعة او المخدومة محلياً في تلك المراكز والجاهزة لاستخدام مسارات التنمية للتصدير نحو الاسواق العالمية والأوربية بشكل خاص، والاستفادة من ميزة القرب الجغرافي من أوروبا وقصر سلسلة الإمداد العراقية، لاختراق تلك الأسواق والمنافسة مع مناشئ أخرى للحصول على حصص سوقية أكبر.
وما يساعد العراق على استقطاب سلاسل الإمداد ومركز التصنيع الاسيوية ولاسيما الصينية هو وجود هجرة لبعض من تلك الصناعات وسلاسل الإمداد غرباً والاقتراب من مراكز الاستهلاك الغربية، لأسباب منها تقصير سلاسل الامداد الطويلة والتي تعثرت سابقاً بسبب بعد المسافات وخصوصاً خلال فترة الوباء، ومنها كذلك الضغوطات الامريكية والأوروبية على المنتجات الصينية وفرض جمارك عالية عليها مما تسبب في رفع أسعارها وضعف تنافسيتها، وقد استفادت عدة دول من عملية هجرة سلاسل الإمداد وقامت باستقطاب بعض منها، كالإمارات والسعودية ومصر وتونس وتركيا، لذلك فإن لدى العراق فرصة كبيرة للغاية في استقطاب صناعات وسلاسل إمداد صينية أخرى ودمجها في
نموذج طريق التنمية المحدث، وتوطينها في مراكز التصنيع واللوجستيات المرتبطة بالميناء والطريق، ومن هذه السلاسل، المنتجات الإلكترونية والكهربائية ومواد البناء والصناعات وقطع السيارات الكهربائية، والصناعات التحويلية والمعدنية وحتى سلاسل إمداد المنسوجات والملابس. ورغم ان هناك إشارة في نموذج طريق التنمية الحالي لمدن اقتصادية لكن هناك تقصير واضح في تسليط الضوء عليها وإعطائها الأولوية في التسويق والاستثمار والإنشاء والإنجاز بالتوازي مع إنشاء وإنجاز المسارات البرية، فالمراكز اللوجستية والتصنيعية في النموذج الحالي يتم الإشارة إليها بشكل ثانوي وهذه تعد ثغرة كبيرة في هذا النموذج، فتلك المراكز تعد اللبنة الاولى ومفتاح نجاح مسارات النقل وبدونها لن
يكون هناك أي فرصة لنجاح تلك المشاريع.
هذا التكامل الاستراتيجي ضمن نموذج اقتصادي واحد يمزج بين النقل التجاري والتصنيع وسلاسل الإمداد واللوجستيات داخل الجغرافيا العراقية سيعمل على تحقيق تشغيل أمثل لمسارات طريق التنمية والاستفادة من طاقات النقل المتاحة والتي ترتفع فيها نسبة الموثوقية وانسيابية حركة النقل إضافة لتنافسيتها السعرية بسبب القرب من مراكز الاستهلاك الغربية من جهة واختصار المسار بين الدول الإقليمية من جهة أخرى، مما يعزز فرص زيادة الحصص السوقية للعراق خارجياً وخلق عائدات مالية متنوعة تتحقق من خلال الصادرات العراقية بشكل رئيسي ومن ثم رسوم العبور التجاري المتبادل بين الدول الاقليمية وعوائد نقل المنتجات العراقية وتوزيعها بين المدن العراقية للاستهلاك الداخلي، مما سيفتح المجال لخلق فرص استثمارية واعدة تجذب المزيد من الاستثمارات والاعمال وتحول العراق تدريجياً الى لاعب محوري إقليمي قي قطاعات النقل والخدمات وسلاسل الإمداد والصناعات المتنوعة، وتسمح للبلد بتحقيق وفورات مالية مستدامة بل ومتزايدة، وسترفع من قيمة العراق وتأثيره الجيواقتصادي وحتى الجيوسياسي إقليمياً ودولياً.
5.الخاتمة
مما تقدم يمكن القول انه وبالرغم من تعارض وتقاطع طموحات السياسة بمحددات الاقتصاد في مشروع طريق التنمية، إلا ان الفرصة لاتزال مواتية أمام العراق لتطوير النموذج الحالي للمشروع ليكون نموذجاً تنموياً مستداماً يتكامل فيه النقل مع الصناعة مع الخدمات، يرفد الاقتصاد العراقي بما يحتاجه من قطاعات تنمية وصناعات عصرية، ويستقطب شراكات استثمارية ويجذب طاقات بشرية وطنية ويساهم تدريجياً في تحقيق التنويع الاقتصادي المستهدف بتقليل الاعتماد العالي على العائدات النفطية، ويحقق في نفس الوقت الهدف الأهم لطريق التنمية وهو أن “أول قاطرة أو شاحنة تتحرك على مسارات الطريق يجب ان تكون محملة بأول شحنة بضائع مختوم عليها صنع في العراق.”

زياد الهاشمي
زياد الهاشمي اقتصادي عراقي متخصص في قطاع النقل التجاري وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية. يهتم بشكل رئيسي بدراسة وتحليل منظومة النقل البحري الدولي، وتطور مسارات النقل العالمية وحركة البضائع بين آسيا وأوروبا. يقدم الهاشمي إسهامات بحثية مهمة تسلط الضوء على المشاريع الاستراتيجية واللوجستية في المنطقة، ويحلل بموضوعية الخيارات المتاحة أمام العراق (مثل ميناء الفاو الكبير ومشاريع الربط البري) ليكون جزءاً حيوياً من منظومة النقل العالمية. وتستند تحليلاته إلى محددات الكفاءة الاقتصادية، وتكاليف النقل متعدد الوسائط، والنطاق الاقتصادي الملاحي.



No Comment! Be the first one.